د.شادية شقروش
12-25-2008, 12:57 AM
لا شك في أن النصوص المؤسسة تسعى إلى اختراق الحواجز الإقليمية بغية الانتشار فوق مساحة العالم، ولا يتأتى لها ذلك إلا إذا امتدت لها أيادي النقد لتخرجها من الموجود بالقوة إلى الموجود بالفعل.
وسمنا هذه الدراسة بـ "دور الأسطورة في إنشاء المتخيل"، انطلاقا من تصور مفاده أن الأسطورة هي بداية مغامرة العقل الأولى، حين كان « العقل البشري في بداياته صفحة بيضاء، فكانت الأسطورة كل شيء له، كانت تأملاته وحكمته، منطقه وأسلوبه في المعرفة، أداته الأسبق في التفسير والتعليل، أدبه وشعره وفنه، شرعته وعرفه وقانونه، انعكاسا خارجيا لحقائقه النفسية الداخلية فالأسطورة نظام فكري متكامل استوعب قلق الإنسان الوجودي »( ). والسؤال المطروح ومن خلال طرح فراس السواح: ما هو دور الأسطورة في إنشاء المتخيل ؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تسمح لنا بالقفز على مفاهيم (المتخيل، الأسطورة) والعلاقة بينهما.
أ-المتخيل:
إن الحديث عن المتخيل (imaginaire) يقودنا إلى الوقوف عند كلمات مثل: صورة (image) ومخيّلة (imagination) وتخيّل fiction وهي مصطلحات أجحفت في حقها الفلسفة بحكم اعتمادها على العقل؛ لأنها تعتبر المخيّلة عنصرا مشوشا على عمل العقل، لذلك يتعين إقصاؤها من عملية المعرفة، ولعل السبب الوجيه الذي ترتكز عليه الفلسفة العقلانية هو أن المخيلة والمتخيل تلتقي فيها الأساطير والحكايات والقصص الأحلام، وكل إنتاج رمزي يتخطى ضوابط العقل ( ).
ارتبط التتبع التاريخي والنقدي لظاهرة الخيال والبحث فيها بتحليل العلاقة بينها وبين الإدراك والذاكرة، وبدراسة الصورة بوصفها حدّا مشتركا بين الإدراك والتخيل والتذكير( ). حيث تضاربت الآراء حول هذا الأمر في المذاهب الفلسفية المعاصرة.
عولت الفلسفة المادية على فكرة التداعي في تفسير علاقة التخيل بالإدراك، وهذه الفكرة مردّها إلى ما يحدث في الجهاز العصبي من متغيرات، الأمر الذي حذا بـ: دفيد هيوم (d.Hum) ممثل هذا الاتجاه إلى اعتبار الصور والأفكار مجرد نسخ للانطباعات الأصلية على أعضاء الحس، ولكنها منفصلة عنه، واعتبر المتخيل قاصرا إذا ما قورن بالحس الخالص، مما أدّى به إلى التأكيد على عدم القدرة على تخيل محسوسات جديدة، ووسم أنصار هذه الفلسفة الخيال بالقصور والغموض، وفسروا الإحساس والتخيّل والرمز تفسيرا ماديا معتمدين على فلسفة ديكارت التي اصطبغت بطابع فيزيولوجي( )، ومنه قللوا من قيمة الخيال وجعلوه مضللا ومشوشا على العقل، الذي هو الأداة الأساسية لاكتساب المعرفة والملكة التي تعطي للكائن قيمة لوجوده، لذلك اعتبر ديكارت- مؤسس العقلانية الفرنسية ومدشن الحداثة العربية على الصعيد الفكري- "المخيلة سيدة الضلال" ففتح المجال لإقصاء أهمية المتخيل (imaginaire) من الفعل الإبداعي للإنسان ككائن عاقل، ولكنه متعدد القدرات في الوقت نفسه( ).
فإذا كان الخيال واحدا من العناصر الكبرى المتلاحمة في مخيلة الإنسان، وله فاعلية شديدة الأهمية في الشروع البشري برمته، - الذي يتوقف على مصير الخيال والوجدان وقوى الحنين التي تؤلف الذائقة التأسيسية في بنية النفس البشرية- فإنه لا يجوز للعقلانية أن تستهين بهذا الشطر اللاذهني واللاعقلاني الذي يحتل مساحة أوسع في الفضاء الداخلي للإنسان من الشطر العقلاني أو الذهنية المنطقية التي حكمت عليه بالإقصاء( ).
أما الفلسفة (الترنسندنتاليةtranscendenti ) التي يتزعمها كانط فقد أعطت أهمية للمخيّلة وذلك بنقدها للعقل، وأصبحت المخيّلة جزءا في تحصيل المعرفة، وحدّ كانط بين الإدراك والمفهوم في إطار المخيلة إذ بفصلها يحصل تنظيم التراكم أو الكثرة التي يبديها المظهر، وعلى هذا النحو يبدو الحس والخيال والفهم معالم اعتمدها كانط في تجربته، واعتبر أنه في كل إنسان أساس موضوعي يوجه العقل إلى استرجاع إدراك سابق مرّ به من قبل إلى جانب إدراك لاحق، وهذا الأساس هو الذي يمكننا من الحصول على الصّورles images)) ومن ترابط انطباعاتنا.
ويسمي كانط استرجاعنا لإدراكات سابقة بالخاصية الإرتسامية للخيال ( ). وعلى الرغم من ذلك بقيت المخيلة مهمشة وخاصة « أثناء القرن التاسع عشر حيث أسست الفلسفة المادية مقوماتها القاعدية سواء من حيث أساسها المادي والمؤسسي أو من حيث الاكتشافات العلمية التجريبية منها والإنسانية، والتي أكدت على أن العقل وحده يمكن أن يضبط المجتمع ويصنع التقدم، أما المخيلة والمتخيل فهي ليست من موضوعات الثقافة العالمة بقدر ما هي قضايا تستغل العامة في خيالاتها واستيهاماتها »( ). فسادت النزعة الشكلية والتقليص من الطاقة الخيالية لصالح العقل والعلم والسياسة والاقتصاد (...) وكاد الغارق في المادية أو قاب قوسين أو أدنى أن يحسر عذوبة الحياة.
ثم جاءت الفلسفة الفينومينولوجية فانتشلته من المادية الشكلية وذلك بإعادة النظر في الفكر وإعطاء المخيلة بعدها الوجودي المناسب، وانتهى سارتر المرتكز على فلسفة هوسرل إلى ضرورة التمييز بين الإدراك والإدراك الحسي والخيال، « فالإدراك الحسي هو تمثل للأشياء الحاضرة حضورا فعليا، أما الخيال فهو تمثل لهذه الأشياء في غيابها غيابا حقيقيا، والصورة هي التنظيم التركيبي الكلي للوعي، والمخيلة ليست سلطة تجريبية أو مضافة إلى الوعي، بل هي الوعي بأكمله حين يتحقق وتصبح كل وضعية عينية وواقعية للوعي في العالم مشحونة بالمتخيل حين تتقدم دائما باعتبارها تجاوزا للواقع »( )، وبهذه الطريقة استطاع سارتر أن يدخل عمل المتخيل في الحياة النفسية للكائن، ويعطيه دوره في عملية الوعي، فيصبح المتخيل عنصرا مكونا للتعالى الفكري، وليس أداة مشوشة على عمل العقل، وعلى الرغم من الإضافة السارترية المميزة بخصوص تاريخ الاهتمام بموضوع المتخيل في الفكر الغربي، فإن إسهام المفكر الفرنسي جلبيرديران GilbertDurand)) في هذا المجال من أكبر الإسهامات نسقيه ( ).
استطاع جيلبير ديران أن يصوغ نظرية في المتخيل ويعيد الاعتبار إلى مسألة الرموز من خلال الاسترجاع النقدي لسابقيه من الفلاسفة والنقاد وعلماء النفس والأنثروبولوجيين، وأشاد بجهود الذين أعطوا قيمة للمتخيل، لكنه يرى أنهم لم يركزوا على قضية الصورة باعتبارها رمزا ن وذلك في كتابه المتخيل الرمزي ( )، وحاول هذا الباحث أن يكون كالنحلة التي تمتص الرحيق من كل الزهور لتصنع العسل ، حيث كان منهجه متعدد الاختصاصات، أو فسيفساء من أفكار سابقيه ؛أي انه يلتقي بالسوسيولوجي والأنثروبولوجي والسيكولوجي ....الخ، والمهم في ذلك أنه لم يعتمد النظرة الأحادية بل حاول الاستفادة من سابقيه من أجل الوصول إلى الأفق الرمزي لدراسة النماذج الأساسية للمخيلة الإنسانية، فيكون بذلك قد موضع نفسه ضمن المسار الأنثروبولوجي الذي يبحث في رموز الشعوب وأساطيرها، ولعل كتابه الموسوم ب:Figures Mythique etVisages de loeuvre) ) أكبر دليل على ذلك ، حيث يؤكد فيه على ثراء الرمز وتعالي المتخيل وإنهاء القطيعة بين العقلاني والتخييلي فيغدو المتخيل بذلك ليس نشاط يغير العالم ،أو مخيلة إبداعية فقط ،بل يحمل بعدا إنسانيا شاملا ؛ لأن المخيلة الرمزية تتحكم فيها النزعة الإنسانية المفتوحة( )، فالخزان المشترك بين كل الناس هو ذلك المشحون بالرموز العديدة والصور والأساطير الأمر الذي يجعل المتخيل البوابة أو الملتقى الأنثروبولوجي الذي تتقاطع فيه كل أساليب التفكير الإنساني ( )، وإذا كانت هذه الأساليب تتوسل بالرمز فلأنه يختزن "حنين الروح إلى الحرية وإلى الانفلات(...) ، ولأنه الأقدر على إرواء ظمأ النفس ولأنه الجذر الماورائي الذي يؤسس حرية الإنسان وأحلامه وأساطيره"( ) ومنه يرتبط الخيال بالأسطورة ارتباطا وثيقا.
ب: الأسطورة:
مرت الأسطورة في التفكير البشري بالأطوار نفسها التي مر المتخيل بها، فتهميش المتخيل هو تهميش للرمز والأسطورة وإعادة الاعتبار له هو إعادة الاعتبار لهما .
يرى فراس السواح في كتابه مغامرة العقل الأولى أن الفكر الإنساني في وثبته الدائمة لا يقف عند إطار ولا يركن لمعرفة بعينها ، فهو في حركة دائبة تتجاوز أبدا ما وصلت إليه ، فتهاوت الأسطورة تحت مطارق الفلسفة وتجرع سقراط السم جزاء اجترائه على آلهة اليونان ،ومن بعده تابع أفلاطون وأرسطو المهمة ،وتعاونت مع الفلسفة الديانتين المسيحية والإسلامية ، فتبنت المسيحية بضع أساطير أساسية كونت منها هيكلها ،(...) وهدمت ما تبقى من صرح الأساطير القديمة ،أما الإسلام فقد أثبت بعض ما أوردته الأساطير وقدمه في صيغة مختلفة تماما مرجعا إياها إلى أصلها السماوي القديم، قبل تحريف الكلام عن مواضعه بسبب التقادم أو سوء الطوية، ثم أدى تبلور المناهج العلمية مع مطلع العصور الحديثة إلى الازدراء الكامل للأسطورة وإنزالها إلى مرتبة الحكاية المسلية نظرا لما تحتويه من عناصر غيبية تتنافى والتفكير العلمي السليم، كما ادعى العلم في بعض مراحله القضاء على الفلسفة والدين معا ،ثم عاد للأسطورة رونقها وبهاءها كشكل فني تعبيري مع مطلع القرن التاسع عشر الذي جلب معه الثورة الفنية والجمالية، بعد أن أراد أصحاب عصر الاستنارة في القرن الثامن عشر محو الأسطورة ، فعدت الأسطورة منهلا للعلوم بعد أن لاقت ما لاقت من العلوم من تجاهل، وإلى جانب ذلك ظهر ما يسمى بالميثولوجيا(Mythologie)، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، ظهرت وتظهر مدارس شتى تهدف إلى تقديم نظريات شاملة في تفسير الأسطورة وبيان دلالاتها وبواعثها ووظيفتها ويرى فراس السواح أن هذه التوجهات قد وقعت في النظرة الأحادية فمنهم من نظر إلى الأسطورة باعتبارها فنا أدبيا وحكمة بالنظر لما ترويه الأسطورة على أنه تراكم لنتاج الفكر الإنساني المبدع في مجال الأدب ،وذلك من خلال الإضافات التي تلحق الأسطورة ، من خلال ما يضيفه الراوي من خياله الخاص وظروفه الاجتماعية ، الأمر الذي يطبع الأسطورة بطابع فكري وفني وأدبي لشعب من الشعوب.
وهناك التوجه الذي يربط الأسطورة بظواهر الطبيعة ؛أي أن الأساطير منشؤها يتصل بعناصر الطبيعة.
أما توجه الأسطورة والإتيولوجيا (Etiologie) فهو يدرس الأسباب ويعتبر وجود الأسطورة مرده للأسباب الكامنة وراء الكثير من الظواهر التي لا يراها الإنسان في العالم الواقعي (الغيبية)
ومنهم من ينظر إلى الأسطورة باعتبارها تاريخا ، حيث لا يعتبرها هذا التوجه من إنتاج الخيال المجرد ، بل هي تجربة لملاحظات واقعية ورصد لحوادث جارية وعبرها انتقلت إلينا تجرب الأولين وخبراتهم المباشرة، وهي تعود في أصولها إلى أزمان سحيقة سابقة للتاريخ المكتوب، وقبل أن يتعلم الإنسان كانت ذاكرته على قدر كبير من النشاط والحيوية وقد استخدمهما لنقل الأحداث بأمانة عبر الأجيال.
أما اتجاه الأسطورة والطقس الذي يتزعمه السير جيمس فريزر فإنه يرى أن الأسطورة قد استمدت من الطقوس ؛فبعد مرور زمن على ممارسة طقس معين، وفقدان الاتصال مع الأجيال التي أسسته يبدو الطقس خاليا من المعنى والسبب والغاية، فتخلق الحاجة لإعطائه تفسيرا وتبريرا، فتأتي الأسطورة لإعطاء المبرر لهذا الفعل المبجل القديم الذي لا يريد أصحابه نبذه أو التخلي عنه.
وهناك التوجه الذرائعي الذي يرى أن الأسطورة لم تظهر استجابة لدافع المعرفة والبحث ولا علاقة لها بالطقس أو البواعث النفسية الكامنة، بل تنتمي للعالم الواقعي وتهدف إلى تحقيق نهاية عملية حيث تروى لترسيخ عادات قبلية معينة أو لتدعيم سيطرة عشيرة ما أو أسرة أو نظام اجتماعي وهو سبب نشأتها وغايتها.
ثم يبين فراس السواح علاقة الأسطورة بالكبت من خلال ما قاله فرويد الذي رأى تشابها في آلية العمل بين الحلم والأسطورة وتشابه رموز كليهما إذ هما نتاج العمليات النفسية اللاشعورية، ثم يأتي تلميذه يونغ ليعمق الدراسة مجانبا ما قاله أستاذه حيث اعتبر الأسطورة نتاج الاشعور الجمعي فمن خلال رموز الأسطورة نجد العلم يتكلم وكلما ازداد الرمز عمقا كلما كان أقرب للعالمية والشمول الإنساني.
ولا شك في أن اريك فروم وهو آخر عمالقة مدرسة التحليل النفسي عمق النظرة إلى الأسطورة منطلقا من الطرح الفرويدي في علاقة الأسطورة بالحلم مع مخالفته في النظرة لهما فهو لا يعتبرهما نتاج العالم اللاعقلاني، وهو يري أن العقل في حالة النوم يعمل ويفكر ولكن بطريقة أخرى ولغة أخرى هي اللغة الرمزية، ولعلها اللغة التي تنطق عن الخبرات والمشاعر والأفكار الباطنية كما تنطق لغتنا المحكية عن خبرات الواقع ، مع فارق هام يكمن في شمولية لغة الرمز وعالميتها وتجاوزها لفوارق الزمن والثقافة والجنس، والأسطورة كالحلم تكمن أهميتها في تقديمها حكايا تشرح بلغة الرمز، حشدا من الأفكار الدينية والفلسفية والأخلاقية ( ).
نستطيع من خلال ما سبق أن نربط بين المتخيل والأسطورة على اعتبار أنهما يرتبطان بالمشاعر والأفكار والأحلام، وهو الأمر الذي وسع من رؤية جيلبير ديران كما مر بنا فيما يتعلق بالمتخيل حيث اعتبره شاملا ويحمل بعدا إنسانيا ، ومعنى ذلك أنه يلتقي مع علماء النفس، وهى النظرة التي تبناها جميع النقاد الذين بحثوا في المتخيل وصلته بالأحلام والأساطير والإبداع، باعتمادهم على دراسات علماء الأنثروبولوجيا، من أمثال جيمس فيزر، وميرسيا إلياد، ونورثروب فراي ،الذين تبنوا الأفكار التي مهد لها يونغ ( ) في نظرته إلى الأحلام والأساطير والمتخيل الجمعي.
و- دور الأسطورة في إنشاء المتخيل:
دخلت الأسطورة منذ أمد في الإبداع الإنساني، لذلك لم يستطع الذين جمعوا التراث الإنساني، التمييز بينها وبين الإبداع وهو السبب الذي جعل الرؤى تختلف في النظر إلى الأسطورة، وبعد أن أصبح العالم قرية صغيرة أصبحت أساطير الشعوب متعارفة بين بني البشر الأمر الذي مكن المبدعين من استلهامها في إبداعاتهم بحيث تجرؤا عليها ووظفوها في إبداعاتهم انطلاقا من فضاء متخيلهم وحورا فيها وفقا لمنطلقاتهم الفكرية ،على الرغم من ارتباطها بالمقدس.
يعمد المبدع إلى التوسل بالرمز للتعبير عما بداخل واستعارة حكاية أسطورية أو عنصرا منها عوض الوصف المباشر لسببين:
1- " استحالة الوقوف على (منابت الخيال) بطرائق الوصف المجردة لكونه إحساسا وإنخطافا
بموضوعه" ( ).
2- خوف المبدع من السلطة وبخاصة إذا كان يريد أن يعبر عن مواقف أيديولوجية مناهضة لها.
وعلى المبدع أن يحدد الإطار الدلالي الواسع الذي سوف يتحرك فيه ثم يتبع ذلك اختيار الطريقة الملائمة التي ينظم بها مفرداته (ويثري بها رموزه)، لكي تكون قادرة على نقل أفكاره على النحو الذي تكونت في مداخله النفسية، ومن هنا يعود تعدد (الأساليب الإبداعية)، راجعا إلى تعدد المقامات والأحوال، أو راجعا إلى حدود فضاء المتخيل، ثم إلى الإطار الدلالي الواسع للكلام، ثم إلى المقدرة الخاصة في نظم الكلام( ).
عد المقارنون الأسطورة عنصرا أجنبيا مؤثرا واعتبرها المهتمون بجماليات الخطاب الأدبي تناصا أو تداخلا نصيا، وأسهموا في إيجاد طرائق للبحث عن العنصر الأسطوري داخل المتخيل السردي والشعري؛ أي كيفية إنشاء المبدع متخيله بالأسطورة .
ويعد جيلبير ديران أول من بحث في التحليل الأسطوري، وأرسى الدعائم الفكرية للنقد الأسطوري من خلال الدراسات التي قام بها حول المتخيل وبنيته الانتروبولوجية، ويعقد فصلا كاملا حول النقد الأسطوري والتحليل الأسطوري (mythanalyse et mythocritique ) ( ) في كتابه fegures mythiques et visages de L'œuvre))، حيث يهتم فيه بحضور العنصر الأسطوري داخل النص الإبداعي، ويعتبر هذا النقد بمثابة المجهر الذي نستطيع من خلاله البحث عن كيفية إنشاء الأسطورة للمتخيل.
استطاع الباحث بيير برونيل pierre brunel))، أن يوسع في مفهوم النقد الأسطوري ويقدمه كتقنية تساهم في تفسير النص وتأويله، وذلك من خلال القوانين التي صاغها في بلورة هذا المنهج وهي(الانبثاق والمطاوعة والتجلي) ( ).
فالكتابة بوصفها تجليا لمخزونات واعية ولاوعية لجسد الكاتب هي نداء متميز في مبادئها كما أن النص المكتوب يمثل دعوة للقاء بين متخيل الكاتب والقارئ المفترض، الذي هو بدوره سيقرأ من منطلق متخيله الرمزي الخاص، وإذا كان المتخيل يتعالى عن الواقع، ويكسر التكرار ويخرج عن أطر المألوف التي تميز اللغة المعتادة، ويخلق إيقاعا زمنيا خصوصيا ممتدا لا علاقة له بالضرورة بالزمن العام فإنه في حقيقة الأمر يبدع وجودا يوفر إمكانية التوازن الذاتي أو الجماعي( ).
فلكل نص منطلقه التخييلي، به يقوم وعلى صوغه ينهض في تميزه وقراءته ( ) لذلك لا يمكن فهم المتخيل إلا من خلال استيعاب نظرية التلقي بوصفها نظرية نقدية تعنى بتداول النصوص الأدبية وتقبلها وإعادة إنتاج دلالاتها، سواء أكان ذلك في الوسط الثقافي الذي تظهر فيه، وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بـ: " التلقي الخارجي " أم كان ذلك داخل العالم الفني التخييلي للنصوص الأدبية ذاتها وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بالتلقي الداخلي ( ).
لذلك يلعب المتلقي دورا بارزا في الكشف عن الكثير من العوالم التخييلية المتمثلة في فسيفساء نصوص قادمة من سياقات شتى والمتجمعة في متخيل واحد، ومن بين هذه النصوص الأسطورة التي يستقدمها المبدع من عمق التاريخ و يطوعها لصالحه، فكيف يستطيع القارئ الكشف عنها؟
يستطيع ذلك من خلال الآليات الإجرائية للنقد الأسطوري وهي:
1- التجلي émergence
2- والمطاوعة أو المرونة Flexibilité
3- والإشعاع أو الانبثاقIrradiation ( ).
1- التجلي: يستطيع العنصر الأسطوري إنشاء المتخيل من خلال حضوره الأدبي والفني الذي يكون غامضا نستطيع قراءته من خلال بعض الحلقات من التاريخ أو بعض الأبطال أو يتفجر مثل اللمحات الرمزية التي تبدو كاستعارة يشكلها المبدع ذهنيا ثم يموضعها في النص وتتفجر هذه اللمحات من خلال إشارات عديدة يمكن أن نجملها:
أ/ معمارية النص أو البنية الفنية ككلarchitexte) ): كأن ينبثق العنصر الأسطوري وينشر ظلالاته على مساحة متخيل النص الإبداعي برمته، حيث يتكئ المبدع على نص أسطوري لبناء نصه الإبداعي متخذا منه غطاء لتمرير أبعاده الإيديولوجية والنفسية والاجتماعية والفلسفية ... إلخ فمثلا أسطورة أوديب نجدها عند سوفوكليس وعند أندري جيد وعند طه حسين، وعلى الرغم من أن معمارية النص واحدة إلا أن وجهات النظرles points de vue)) مختلفة لذلك يختلف المعنى من نص إلى آخر، فالأول (الإغريقي) يتطرق إلى قضية الصراع ضد القدر والثاني (الفرنسي الوجودي) يطرح فكرته وفلسفته الوجودية من خلال الملك أوديب والثالث (العربي) يتطرق إلى قضية الواقع والحقيقة فالواقع أن أوديبا متزوج وأب لأبناء وسعيد في أسرته، والحقيقة أنه متزوج من أمه وقاتل لأبيه .وهكذا يشكل كل مبدع نصه وقفا لمنطلقاته الفكرية حتى لو تمظهرت البنية على نفس الشاكلة؛ فتقديم معلومة على أخرى يغير المعنى وقد تكون البنية المعمارية مختلفة كأن يقدم أحدهم قصة أسطورية في قالب شعرية مكثف، فيتغير المعنى الأسطوري شكلا ومضمونا.
ب/ يتجلى العنصر الأسطوري أيضا من خلال العنوان، فيبدو كلافتة إشهارية متوهجة توحي بخلفية المبدع، فمن خلال هذه الجملة المركزة يتجلى متخيل أسطورة بعينها، فيحاول المتلقي ربط العلاقة بين متخيل النص والعنوان، مثلا عندما يكون عنوان النص "سيزيف العربي"، فإن متخيل المتلقي يستحضر مباشرة ما حدث لسيزيف ثم يربطه بكلمة العربي ويبدأ بربط المواقف إن كانت متشابهة أو مختلف.
ج/ يكون التجلي من خلال الفواتح النصية أومن خلال التناص في متن النص، فتبدو الفاتحة النصية عتبة توجه آفاقنا القرائية، وكذلك الشيء نفسه بالنسبة للتناص الذي يجعل النص الأسطوري حاضرا بالقوة، وقد لا يعمد الأديب إلى ذكر العنصر الأسطوري صراحة وإنما يكتشف الناقد ذلك من خلال بعض ما تجلى من صور وإيحاءات أو بعض الإشارات المضمرة تجعل الناقد يكتشف الخلفية الأسطورية التي اتكأ عليها المبدع في بناء متخيله.
2- المطاوعة: وتتمثل في مقاومة العنصر الأسطوري وقدرته على التكيف والتشكل وتقتضي متابعة اندماج العنصر الأسطوري ضمن نص جديد مواجهة النص بالمخطط الأصلي للأسطورة كي نكتشف كيفية تطويع المبدع للعنصر وإدخاله في سياق جديد؛ أي اكتشاف الفضاء الدلالي بين ما هو ثابت وما هو متغير، وبالتالي الوقوف على منابت المتخيل الذي على غراره استطاع المبدع أن يرهن العنصر الأسطوري ويطوعه وفقا لمنطلقاته الخاصة، و ذلك مثلا من خلال التحوير في عملية سرد الأحداث، وهي تقنيات فيها تقديم وتأخير وحذف وجمع بين المتناقضات كأن يجمع المبدع بين سلسلة من الأساطير في متخيل واحد .
3- الإشعاع: يشع العنصر الأسطوري عندما يكون التجلي غامضا، فالتخفي يولد رغبة ومتعة لدى القارئ في كشف المستور، وكلما كانت قدرة المبدع في ترهين النص الأسطوري وتطويعه، وبعثه في حلة جديدة، كلما كان الإشعاع ساطعا من خلال الإيحاءات الدلالية المكثفة وإذا كان التجلي صريحا فإن نسبة المطاوعة تكون أقل مرونة فيحصل إشعاع خافت، وهذا الأخير يدل على عدم قدرة المبدع على تطويع النص لمنطلقاته، والإشعاع الساطع يدل على مرونة العنصر الأسطوري وقدرة المبدع على تطويعه وفقا لخلفياته التي بني عليها فضاء متخيله الإبداعي،«ويبدوا أن درجة الإشعاع وطبيعته تتوقف على نوع المطاوعة وطبيعتها ،وهي بدورها تتوقف على نوع التجلي وطبيعته الأمر الذي يقودنا إلى تصور علاقة ارتباط جدلية بين عناصر النقد الأسطوري ومستوياته»
يعتمد الناقد في عملية البحث والتنقيب على سؤالين:
1- كيف وظف المبدع الأسطورة؛ أي كيف طوعها، والمقصود البحث في تقنيات التوظيف الشكلية.
2- ولماذا وظف المبدع هذا العنصر بالذات ولم يوظف آخر والمقصود به البحث عن الدلالة والخلفية المؤطرة لها.
ولا شك في أن عملية التطويع تتطلب من المبدع أن يختار العنصر الذي يتماشى ومنطلقاته بحيث يستطيع إفراغه من دلالاته الأصلية وشحنه بدلالات أخرى، ومنه تتحول الأسطورة من مرتبة القداسة إلى مرتبة التدنيس.
لا نقصد من خلال ما سبق أن يكون العنصر الأسطوري صرفا، بل قد يكون العنصر المستحضر شخصية تاريخية تأسطرت مع مرور الزمن مثل شخصية علي بن أبي طالب، سيف بن ذي يزن، عنترة بن شداد، نابليون، جان دارك أو شخصية دينية كالمسيح عليه السلام أو يوسف عليه السلام وكلها تشكلت تاريخيا وأسطرها الخيال البشري ،حيث أضاف لها ما يجعلها مرتبطة بالخارق ولعجائبي، فأصبحت معينا يمتح منه المبدعون،الأمر الذي جعلها تتحول إلى أساطير أدبية، فعملية الترهين تخوّل للمبدع حرية التحوير؛ وكلما كان الانزياح أكثر كلما ازدادت شعرية العمل.
وسمنا هذه الدراسة بـ "دور الأسطورة في إنشاء المتخيل"، انطلاقا من تصور مفاده أن الأسطورة هي بداية مغامرة العقل الأولى، حين كان « العقل البشري في بداياته صفحة بيضاء، فكانت الأسطورة كل شيء له، كانت تأملاته وحكمته، منطقه وأسلوبه في المعرفة، أداته الأسبق في التفسير والتعليل، أدبه وشعره وفنه، شرعته وعرفه وقانونه، انعكاسا خارجيا لحقائقه النفسية الداخلية فالأسطورة نظام فكري متكامل استوعب قلق الإنسان الوجودي »( ). والسؤال المطروح ومن خلال طرح فراس السواح: ما هو دور الأسطورة في إنشاء المتخيل ؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تسمح لنا بالقفز على مفاهيم (المتخيل، الأسطورة) والعلاقة بينهما.
أ-المتخيل:
إن الحديث عن المتخيل (imaginaire) يقودنا إلى الوقوف عند كلمات مثل: صورة (image) ومخيّلة (imagination) وتخيّل fiction وهي مصطلحات أجحفت في حقها الفلسفة بحكم اعتمادها على العقل؛ لأنها تعتبر المخيّلة عنصرا مشوشا على عمل العقل، لذلك يتعين إقصاؤها من عملية المعرفة، ولعل السبب الوجيه الذي ترتكز عليه الفلسفة العقلانية هو أن المخيلة والمتخيل تلتقي فيها الأساطير والحكايات والقصص الأحلام، وكل إنتاج رمزي يتخطى ضوابط العقل ( ).
ارتبط التتبع التاريخي والنقدي لظاهرة الخيال والبحث فيها بتحليل العلاقة بينها وبين الإدراك والذاكرة، وبدراسة الصورة بوصفها حدّا مشتركا بين الإدراك والتخيل والتذكير( ). حيث تضاربت الآراء حول هذا الأمر في المذاهب الفلسفية المعاصرة.
عولت الفلسفة المادية على فكرة التداعي في تفسير علاقة التخيل بالإدراك، وهذه الفكرة مردّها إلى ما يحدث في الجهاز العصبي من متغيرات، الأمر الذي حذا بـ: دفيد هيوم (d.Hum) ممثل هذا الاتجاه إلى اعتبار الصور والأفكار مجرد نسخ للانطباعات الأصلية على أعضاء الحس، ولكنها منفصلة عنه، واعتبر المتخيل قاصرا إذا ما قورن بالحس الخالص، مما أدّى به إلى التأكيد على عدم القدرة على تخيل محسوسات جديدة، ووسم أنصار هذه الفلسفة الخيال بالقصور والغموض، وفسروا الإحساس والتخيّل والرمز تفسيرا ماديا معتمدين على فلسفة ديكارت التي اصطبغت بطابع فيزيولوجي( )، ومنه قللوا من قيمة الخيال وجعلوه مضللا ومشوشا على العقل، الذي هو الأداة الأساسية لاكتساب المعرفة والملكة التي تعطي للكائن قيمة لوجوده، لذلك اعتبر ديكارت- مؤسس العقلانية الفرنسية ومدشن الحداثة العربية على الصعيد الفكري- "المخيلة سيدة الضلال" ففتح المجال لإقصاء أهمية المتخيل (imaginaire) من الفعل الإبداعي للإنسان ككائن عاقل، ولكنه متعدد القدرات في الوقت نفسه( ).
فإذا كان الخيال واحدا من العناصر الكبرى المتلاحمة في مخيلة الإنسان، وله فاعلية شديدة الأهمية في الشروع البشري برمته، - الذي يتوقف على مصير الخيال والوجدان وقوى الحنين التي تؤلف الذائقة التأسيسية في بنية النفس البشرية- فإنه لا يجوز للعقلانية أن تستهين بهذا الشطر اللاذهني واللاعقلاني الذي يحتل مساحة أوسع في الفضاء الداخلي للإنسان من الشطر العقلاني أو الذهنية المنطقية التي حكمت عليه بالإقصاء( ).
أما الفلسفة (الترنسندنتاليةtranscendenti ) التي يتزعمها كانط فقد أعطت أهمية للمخيّلة وذلك بنقدها للعقل، وأصبحت المخيّلة جزءا في تحصيل المعرفة، وحدّ كانط بين الإدراك والمفهوم في إطار المخيلة إذ بفصلها يحصل تنظيم التراكم أو الكثرة التي يبديها المظهر، وعلى هذا النحو يبدو الحس والخيال والفهم معالم اعتمدها كانط في تجربته، واعتبر أنه في كل إنسان أساس موضوعي يوجه العقل إلى استرجاع إدراك سابق مرّ به من قبل إلى جانب إدراك لاحق، وهذا الأساس هو الذي يمكننا من الحصول على الصّورles images)) ومن ترابط انطباعاتنا.
ويسمي كانط استرجاعنا لإدراكات سابقة بالخاصية الإرتسامية للخيال ( ). وعلى الرغم من ذلك بقيت المخيلة مهمشة وخاصة « أثناء القرن التاسع عشر حيث أسست الفلسفة المادية مقوماتها القاعدية سواء من حيث أساسها المادي والمؤسسي أو من حيث الاكتشافات العلمية التجريبية منها والإنسانية، والتي أكدت على أن العقل وحده يمكن أن يضبط المجتمع ويصنع التقدم، أما المخيلة والمتخيل فهي ليست من موضوعات الثقافة العالمة بقدر ما هي قضايا تستغل العامة في خيالاتها واستيهاماتها »( ). فسادت النزعة الشكلية والتقليص من الطاقة الخيالية لصالح العقل والعلم والسياسة والاقتصاد (...) وكاد الغارق في المادية أو قاب قوسين أو أدنى أن يحسر عذوبة الحياة.
ثم جاءت الفلسفة الفينومينولوجية فانتشلته من المادية الشكلية وذلك بإعادة النظر في الفكر وإعطاء المخيلة بعدها الوجودي المناسب، وانتهى سارتر المرتكز على فلسفة هوسرل إلى ضرورة التمييز بين الإدراك والإدراك الحسي والخيال، « فالإدراك الحسي هو تمثل للأشياء الحاضرة حضورا فعليا، أما الخيال فهو تمثل لهذه الأشياء في غيابها غيابا حقيقيا، والصورة هي التنظيم التركيبي الكلي للوعي، والمخيلة ليست سلطة تجريبية أو مضافة إلى الوعي، بل هي الوعي بأكمله حين يتحقق وتصبح كل وضعية عينية وواقعية للوعي في العالم مشحونة بالمتخيل حين تتقدم دائما باعتبارها تجاوزا للواقع »( )، وبهذه الطريقة استطاع سارتر أن يدخل عمل المتخيل في الحياة النفسية للكائن، ويعطيه دوره في عملية الوعي، فيصبح المتخيل عنصرا مكونا للتعالى الفكري، وليس أداة مشوشة على عمل العقل، وعلى الرغم من الإضافة السارترية المميزة بخصوص تاريخ الاهتمام بموضوع المتخيل في الفكر الغربي، فإن إسهام المفكر الفرنسي جلبيرديران GilbertDurand)) في هذا المجال من أكبر الإسهامات نسقيه ( ).
استطاع جيلبير ديران أن يصوغ نظرية في المتخيل ويعيد الاعتبار إلى مسألة الرموز من خلال الاسترجاع النقدي لسابقيه من الفلاسفة والنقاد وعلماء النفس والأنثروبولوجيين، وأشاد بجهود الذين أعطوا قيمة للمتخيل، لكنه يرى أنهم لم يركزوا على قضية الصورة باعتبارها رمزا ن وذلك في كتابه المتخيل الرمزي ( )، وحاول هذا الباحث أن يكون كالنحلة التي تمتص الرحيق من كل الزهور لتصنع العسل ، حيث كان منهجه متعدد الاختصاصات، أو فسيفساء من أفكار سابقيه ؛أي انه يلتقي بالسوسيولوجي والأنثروبولوجي والسيكولوجي ....الخ، والمهم في ذلك أنه لم يعتمد النظرة الأحادية بل حاول الاستفادة من سابقيه من أجل الوصول إلى الأفق الرمزي لدراسة النماذج الأساسية للمخيلة الإنسانية، فيكون بذلك قد موضع نفسه ضمن المسار الأنثروبولوجي الذي يبحث في رموز الشعوب وأساطيرها، ولعل كتابه الموسوم ب:Figures Mythique etVisages de loeuvre) ) أكبر دليل على ذلك ، حيث يؤكد فيه على ثراء الرمز وتعالي المتخيل وإنهاء القطيعة بين العقلاني والتخييلي فيغدو المتخيل بذلك ليس نشاط يغير العالم ،أو مخيلة إبداعية فقط ،بل يحمل بعدا إنسانيا شاملا ؛ لأن المخيلة الرمزية تتحكم فيها النزعة الإنسانية المفتوحة( )، فالخزان المشترك بين كل الناس هو ذلك المشحون بالرموز العديدة والصور والأساطير الأمر الذي يجعل المتخيل البوابة أو الملتقى الأنثروبولوجي الذي تتقاطع فيه كل أساليب التفكير الإنساني ( )، وإذا كانت هذه الأساليب تتوسل بالرمز فلأنه يختزن "حنين الروح إلى الحرية وإلى الانفلات(...) ، ولأنه الأقدر على إرواء ظمأ النفس ولأنه الجذر الماورائي الذي يؤسس حرية الإنسان وأحلامه وأساطيره"( ) ومنه يرتبط الخيال بالأسطورة ارتباطا وثيقا.
ب: الأسطورة:
مرت الأسطورة في التفكير البشري بالأطوار نفسها التي مر المتخيل بها، فتهميش المتخيل هو تهميش للرمز والأسطورة وإعادة الاعتبار له هو إعادة الاعتبار لهما .
يرى فراس السواح في كتابه مغامرة العقل الأولى أن الفكر الإنساني في وثبته الدائمة لا يقف عند إطار ولا يركن لمعرفة بعينها ، فهو في حركة دائبة تتجاوز أبدا ما وصلت إليه ، فتهاوت الأسطورة تحت مطارق الفلسفة وتجرع سقراط السم جزاء اجترائه على آلهة اليونان ،ومن بعده تابع أفلاطون وأرسطو المهمة ،وتعاونت مع الفلسفة الديانتين المسيحية والإسلامية ، فتبنت المسيحية بضع أساطير أساسية كونت منها هيكلها ،(...) وهدمت ما تبقى من صرح الأساطير القديمة ،أما الإسلام فقد أثبت بعض ما أوردته الأساطير وقدمه في صيغة مختلفة تماما مرجعا إياها إلى أصلها السماوي القديم، قبل تحريف الكلام عن مواضعه بسبب التقادم أو سوء الطوية، ثم أدى تبلور المناهج العلمية مع مطلع العصور الحديثة إلى الازدراء الكامل للأسطورة وإنزالها إلى مرتبة الحكاية المسلية نظرا لما تحتويه من عناصر غيبية تتنافى والتفكير العلمي السليم، كما ادعى العلم في بعض مراحله القضاء على الفلسفة والدين معا ،ثم عاد للأسطورة رونقها وبهاءها كشكل فني تعبيري مع مطلع القرن التاسع عشر الذي جلب معه الثورة الفنية والجمالية، بعد أن أراد أصحاب عصر الاستنارة في القرن الثامن عشر محو الأسطورة ، فعدت الأسطورة منهلا للعلوم بعد أن لاقت ما لاقت من العلوم من تجاهل، وإلى جانب ذلك ظهر ما يسمى بالميثولوجيا(Mythologie)، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، ظهرت وتظهر مدارس شتى تهدف إلى تقديم نظريات شاملة في تفسير الأسطورة وبيان دلالاتها وبواعثها ووظيفتها ويرى فراس السواح أن هذه التوجهات قد وقعت في النظرة الأحادية فمنهم من نظر إلى الأسطورة باعتبارها فنا أدبيا وحكمة بالنظر لما ترويه الأسطورة على أنه تراكم لنتاج الفكر الإنساني المبدع في مجال الأدب ،وذلك من خلال الإضافات التي تلحق الأسطورة ، من خلال ما يضيفه الراوي من خياله الخاص وظروفه الاجتماعية ، الأمر الذي يطبع الأسطورة بطابع فكري وفني وأدبي لشعب من الشعوب.
وهناك التوجه الذي يربط الأسطورة بظواهر الطبيعة ؛أي أن الأساطير منشؤها يتصل بعناصر الطبيعة.
أما توجه الأسطورة والإتيولوجيا (Etiologie) فهو يدرس الأسباب ويعتبر وجود الأسطورة مرده للأسباب الكامنة وراء الكثير من الظواهر التي لا يراها الإنسان في العالم الواقعي (الغيبية)
ومنهم من ينظر إلى الأسطورة باعتبارها تاريخا ، حيث لا يعتبرها هذا التوجه من إنتاج الخيال المجرد ، بل هي تجربة لملاحظات واقعية ورصد لحوادث جارية وعبرها انتقلت إلينا تجرب الأولين وخبراتهم المباشرة، وهي تعود في أصولها إلى أزمان سحيقة سابقة للتاريخ المكتوب، وقبل أن يتعلم الإنسان كانت ذاكرته على قدر كبير من النشاط والحيوية وقد استخدمهما لنقل الأحداث بأمانة عبر الأجيال.
أما اتجاه الأسطورة والطقس الذي يتزعمه السير جيمس فريزر فإنه يرى أن الأسطورة قد استمدت من الطقوس ؛فبعد مرور زمن على ممارسة طقس معين، وفقدان الاتصال مع الأجيال التي أسسته يبدو الطقس خاليا من المعنى والسبب والغاية، فتخلق الحاجة لإعطائه تفسيرا وتبريرا، فتأتي الأسطورة لإعطاء المبرر لهذا الفعل المبجل القديم الذي لا يريد أصحابه نبذه أو التخلي عنه.
وهناك التوجه الذرائعي الذي يرى أن الأسطورة لم تظهر استجابة لدافع المعرفة والبحث ولا علاقة لها بالطقس أو البواعث النفسية الكامنة، بل تنتمي للعالم الواقعي وتهدف إلى تحقيق نهاية عملية حيث تروى لترسيخ عادات قبلية معينة أو لتدعيم سيطرة عشيرة ما أو أسرة أو نظام اجتماعي وهو سبب نشأتها وغايتها.
ثم يبين فراس السواح علاقة الأسطورة بالكبت من خلال ما قاله فرويد الذي رأى تشابها في آلية العمل بين الحلم والأسطورة وتشابه رموز كليهما إذ هما نتاج العمليات النفسية اللاشعورية، ثم يأتي تلميذه يونغ ليعمق الدراسة مجانبا ما قاله أستاذه حيث اعتبر الأسطورة نتاج الاشعور الجمعي فمن خلال رموز الأسطورة نجد العلم يتكلم وكلما ازداد الرمز عمقا كلما كان أقرب للعالمية والشمول الإنساني.
ولا شك في أن اريك فروم وهو آخر عمالقة مدرسة التحليل النفسي عمق النظرة إلى الأسطورة منطلقا من الطرح الفرويدي في علاقة الأسطورة بالحلم مع مخالفته في النظرة لهما فهو لا يعتبرهما نتاج العالم اللاعقلاني، وهو يري أن العقل في حالة النوم يعمل ويفكر ولكن بطريقة أخرى ولغة أخرى هي اللغة الرمزية، ولعلها اللغة التي تنطق عن الخبرات والمشاعر والأفكار الباطنية كما تنطق لغتنا المحكية عن خبرات الواقع ، مع فارق هام يكمن في شمولية لغة الرمز وعالميتها وتجاوزها لفوارق الزمن والثقافة والجنس، والأسطورة كالحلم تكمن أهميتها في تقديمها حكايا تشرح بلغة الرمز، حشدا من الأفكار الدينية والفلسفية والأخلاقية ( ).
نستطيع من خلال ما سبق أن نربط بين المتخيل والأسطورة على اعتبار أنهما يرتبطان بالمشاعر والأفكار والأحلام، وهو الأمر الذي وسع من رؤية جيلبير ديران كما مر بنا فيما يتعلق بالمتخيل حيث اعتبره شاملا ويحمل بعدا إنسانيا ، ومعنى ذلك أنه يلتقي مع علماء النفس، وهى النظرة التي تبناها جميع النقاد الذين بحثوا في المتخيل وصلته بالأحلام والأساطير والإبداع، باعتمادهم على دراسات علماء الأنثروبولوجيا، من أمثال جيمس فيزر، وميرسيا إلياد، ونورثروب فراي ،الذين تبنوا الأفكار التي مهد لها يونغ ( ) في نظرته إلى الأحلام والأساطير والمتخيل الجمعي.
و- دور الأسطورة في إنشاء المتخيل:
دخلت الأسطورة منذ أمد في الإبداع الإنساني، لذلك لم يستطع الذين جمعوا التراث الإنساني، التمييز بينها وبين الإبداع وهو السبب الذي جعل الرؤى تختلف في النظر إلى الأسطورة، وبعد أن أصبح العالم قرية صغيرة أصبحت أساطير الشعوب متعارفة بين بني البشر الأمر الذي مكن المبدعين من استلهامها في إبداعاتهم بحيث تجرؤا عليها ووظفوها في إبداعاتهم انطلاقا من فضاء متخيلهم وحورا فيها وفقا لمنطلقاتهم الفكرية ،على الرغم من ارتباطها بالمقدس.
يعمد المبدع إلى التوسل بالرمز للتعبير عما بداخل واستعارة حكاية أسطورية أو عنصرا منها عوض الوصف المباشر لسببين:
1- " استحالة الوقوف على (منابت الخيال) بطرائق الوصف المجردة لكونه إحساسا وإنخطافا
بموضوعه" ( ).
2- خوف المبدع من السلطة وبخاصة إذا كان يريد أن يعبر عن مواقف أيديولوجية مناهضة لها.
وعلى المبدع أن يحدد الإطار الدلالي الواسع الذي سوف يتحرك فيه ثم يتبع ذلك اختيار الطريقة الملائمة التي ينظم بها مفرداته (ويثري بها رموزه)، لكي تكون قادرة على نقل أفكاره على النحو الذي تكونت في مداخله النفسية، ومن هنا يعود تعدد (الأساليب الإبداعية)، راجعا إلى تعدد المقامات والأحوال، أو راجعا إلى حدود فضاء المتخيل، ثم إلى الإطار الدلالي الواسع للكلام، ثم إلى المقدرة الخاصة في نظم الكلام( ).
عد المقارنون الأسطورة عنصرا أجنبيا مؤثرا واعتبرها المهتمون بجماليات الخطاب الأدبي تناصا أو تداخلا نصيا، وأسهموا في إيجاد طرائق للبحث عن العنصر الأسطوري داخل المتخيل السردي والشعري؛ أي كيفية إنشاء المبدع متخيله بالأسطورة .
ويعد جيلبير ديران أول من بحث في التحليل الأسطوري، وأرسى الدعائم الفكرية للنقد الأسطوري من خلال الدراسات التي قام بها حول المتخيل وبنيته الانتروبولوجية، ويعقد فصلا كاملا حول النقد الأسطوري والتحليل الأسطوري (mythanalyse et mythocritique ) ( ) في كتابه fegures mythiques et visages de L'œuvre))، حيث يهتم فيه بحضور العنصر الأسطوري داخل النص الإبداعي، ويعتبر هذا النقد بمثابة المجهر الذي نستطيع من خلاله البحث عن كيفية إنشاء الأسطورة للمتخيل.
استطاع الباحث بيير برونيل pierre brunel))، أن يوسع في مفهوم النقد الأسطوري ويقدمه كتقنية تساهم في تفسير النص وتأويله، وذلك من خلال القوانين التي صاغها في بلورة هذا المنهج وهي(الانبثاق والمطاوعة والتجلي) ( ).
فالكتابة بوصفها تجليا لمخزونات واعية ولاوعية لجسد الكاتب هي نداء متميز في مبادئها كما أن النص المكتوب يمثل دعوة للقاء بين متخيل الكاتب والقارئ المفترض، الذي هو بدوره سيقرأ من منطلق متخيله الرمزي الخاص، وإذا كان المتخيل يتعالى عن الواقع، ويكسر التكرار ويخرج عن أطر المألوف التي تميز اللغة المعتادة، ويخلق إيقاعا زمنيا خصوصيا ممتدا لا علاقة له بالضرورة بالزمن العام فإنه في حقيقة الأمر يبدع وجودا يوفر إمكانية التوازن الذاتي أو الجماعي( ).
فلكل نص منطلقه التخييلي، به يقوم وعلى صوغه ينهض في تميزه وقراءته ( ) لذلك لا يمكن فهم المتخيل إلا من خلال استيعاب نظرية التلقي بوصفها نظرية نقدية تعنى بتداول النصوص الأدبية وتقبلها وإعادة إنتاج دلالاتها، سواء أكان ذلك في الوسط الثقافي الذي تظهر فيه، وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بـ: " التلقي الخارجي " أم كان ذلك داخل العالم الفني التخييلي للنصوص الأدبية ذاتها وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بالتلقي الداخلي ( ).
لذلك يلعب المتلقي دورا بارزا في الكشف عن الكثير من العوالم التخييلية المتمثلة في فسيفساء نصوص قادمة من سياقات شتى والمتجمعة في متخيل واحد، ومن بين هذه النصوص الأسطورة التي يستقدمها المبدع من عمق التاريخ و يطوعها لصالحه، فكيف يستطيع القارئ الكشف عنها؟
يستطيع ذلك من خلال الآليات الإجرائية للنقد الأسطوري وهي:
1- التجلي émergence
2- والمطاوعة أو المرونة Flexibilité
3- والإشعاع أو الانبثاقIrradiation ( ).
1- التجلي: يستطيع العنصر الأسطوري إنشاء المتخيل من خلال حضوره الأدبي والفني الذي يكون غامضا نستطيع قراءته من خلال بعض الحلقات من التاريخ أو بعض الأبطال أو يتفجر مثل اللمحات الرمزية التي تبدو كاستعارة يشكلها المبدع ذهنيا ثم يموضعها في النص وتتفجر هذه اللمحات من خلال إشارات عديدة يمكن أن نجملها:
أ/ معمارية النص أو البنية الفنية ككلarchitexte) ): كأن ينبثق العنصر الأسطوري وينشر ظلالاته على مساحة متخيل النص الإبداعي برمته، حيث يتكئ المبدع على نص أسطوري لبناء نصه الإبداعي متخذا منه غطاء لتمرير أبعاده الإيديولوجية والنفسية والاجتماعية والفلسفية ... إلخ فمثلا أسطورة أوديب نجدها عند سوفوكليس وعند أندري جيد وعند طه حسين، وعلى الرغم من أن معمارية النص واحدة إلا أن وجهات النظرles points de vue)) مختلفة لذلك يختلف المعنى من نص إلى آخر، فالأول (الإغريقي) يتطرق إلى قضية الصراع ضد القدر والثاني (الفرنسي الوجودي) يطرح فكرته وفلسفته الوجودية من خلال الملك أوديب والثالث (العربي) يتطرق إلى قضية الواقع والحقيقة فالواقع أن أوديبا متزوج وأب لأبناء وسعيد في أسرته، والحقيقة أنه متزوج من أمه وقاتل لأبيه .وهكذا يشكل كل مبدع نصه وقفا لمنطلقاته الفكرية حتى لو تمظهرت البنية على نفس الشاكلة؛ فتقديم معلومة على أخرى يغير المعنى وقد تكون البنية المعمارية مختلفة كأن يقدم أحدهم قصة أسطورية في قالب شعرية مكثف، فيتغير المعنى الأسطوري شكلا ومضمونا.
ب/ يتجلى العنصر الأسطوري أيضا من خلال العنوان، فيبدو كلافتة إشهارية متوهجة توحي بخلفية المبدع، فمن خلال هذه الجملة المركزة يتجلى متخيل أسطورة بعينها، فيحاول المتلقي ربط العلاقة بين متخيل النص والعنوان، مثلا عندما يكون عنوان النص "سيزيف العربي"، فإن متخيل المتلقي يستحضر مباشرة ما حدث لسيزيف ثم يربطه بكلمة العربي ويبدأ بربط المواقف إن كانت متشابهة أو مختلف.
ج/ يكون التجلي من خلال الفواتح النصية أومن خلال التناص في متن النص، فتبدو الفاتحة النصية عتبة توجه آفاقنا القرائية، وكذلك الشيء نفسه بالنسبة للتناص الذي يجعل النص الأسطوري حاضرا بالقوة، وقد لا يعمد الأديب إلى ذكر العنصر الأسطوري صراحة وإنما يكتشف الناقد ذلك من خلال بعض ما تجلى من صور وإيحاءات أو بعض الإشارات المضمرة تجعل الناقد يكتشف الخلفية الأسطورية التي اتكأ عليها المبدع في بناء متخيله.
2- المطاوعة: وتتمثل في مقاومة العنصر الأسطوري وقدرته على التكيف والتشكل وتقتضي متابعة اندماج العنصر الأسطوري ضمن نص جديد مواجهة النص بالمخطط الأصلي للأسطورة كي نكتشف كيفية تطويع المبدع للعنصر وإدخاله في سياق جديد؛ أي اكتشاف الفضاء الدلالي بين ما هو ثابت وما هو متغير، وبالتالي الوقوف على منابت المتخيل الذي على غراره استطاع المبدع أن يرهن العنصر الأسطوري ويطوعه وفقا لمنطلقاته الخاصة، و ذلك مثلا من خلال التحوير في عملية سرد الأحداث، وهي تقنيات فيها تقديم وتأخير وحذف وجمع بين المتناقضات كأن يجمع المبدع بين سلسلة من الأساطير في متخيل واحد .
3- الإشعاع: يشع العنصر الأسطوري عندما يكون التجلي غامضا، فالتخفي يولد رغبة ومتعة لدى القارئ في كشف المستور، وكلما كانت قدرة المبدع في ترهين النص الأسطوري وتطويعه، وبعثه في حلة جديدة، كلما كان الإشعاع ساطعا من خلال الإيحاءات الدلالية المكثفة وإذا كان التجلي صريحا فإن نسبة المطاوعة تكون أقل مرونة فيحصل إشعاع خافت، وهذا الأخير يدل على عدم قدرة المبدع على تطويع النص لمنطلقاته، والإشعاع الساطع يدل على مرونة العنصر الأسطوري وقدرة المبدع على تطويعه وفقا لخلفياته التي بني عليها فضاء متخيله الإبداعي،«ويبدوا أن درجة الإشعاع وطبيعته تتوقف على نوع المطاوعة وطبيعتها ،وهي بدورها تتوقف على نوع التجلي وطبيعته الأمر الذي يقودنا إلى تصور علاقة ارتباط جدلية بين عناصر النقد الأسطوري ومستوياته»
يعتمد الناقد في عملية البحث والتنقيب على سؤالين:
1- كيف وظف المبدع الأسطورة؛ أي كيف طوعها، والمقصود البحث في تقنيات التوظيف الشكلية.
2- ولماذا وظف المبدع هذا العنصر بالذات ولم يوظف آخر والمقصود به البحث عن الدلالة والخلفية المؤطرة لها.
ولا شك في أن عملية التطويع تتطلب من المبدع أن يختار العنصر الذي يتماشى ومنطلقاته بحيث يستطيع إفراغه من دلالاته الأصلية وشحنه بدلالات أخرى، ومنه تتحول الأسطورة من مرتبة القداسة إلى مرتبة التدنيس.
لا نقصد من خلال ما سبق أن يكون العنصر الأسطوري صرفا، بل قد يكون العنصر المستحضر شخصية تاريخية تأسطرت مع مرور الزمن مثل شخصية علي بن أبي طالب، سيف بن ذي يزن، عنترة بن شداد، نابليون، جان دارك أو شخصية دينية كالمسيح عليه السلام أو يوسف عليه السلام وكلها تشكلت تاريخيا وأسطرها الخيال البشري ،حيث أضاف لها ما يجعلها مرتبطة بالخارق ولعجائبي، فأصبحت معينا يمتح منه المبدعون،الأمر الذي جعلها تتحول إلى أساطير أدبية، فعملية الترهين تخوّل للمبدع حرية التحوير؛ وكلما كان الانزياح أكثر كلما ازدادت شعرية العمل.