المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشفاهية وثقافة الاستبداد /مدخل


د. ثائر العذاري
12-22-2008, 08:24 PM
هذه سلسلة مقالات سبق أن نشرتها العام الماضي ونزولا عند طلب الزميل العزيز د.مصطفى عطية أعيد نشرها هنا:

مدخل:
>
كنت دائما أذكر طلبتي وأنا أدرسهم مادة الأدب العربي الحديث أننا ربما نكون الأمة الوحيدة على وجه الأرض التي تمتلك تراثا متواصلا يمتد إلى هذا العمق الغائر في جوف الزمن ، ولكن دائما كنت أضيف إلى هذا بأن علينا أن لانعد ذلك موضوعا للتفاخر وأن نفكر بالعبء الهائل الذي ننوء به جراء هذا التراث ، فأولا علينا أن نتنبه إلى أن كثيرا من مسلماتنا وبدهياتنا ليست مسلمات ولا بدهيات ولكننا نظنها كذلك بالتقادم كما يقول القانونيون.
يرى بعض علماء النفس أن العادات الاجتماعية والثقافية يمكن أن تتحول إلى صفات بيولوجية نتيجة تداولها مدة طويلة من الزمن ، لتصبح صفاة موروثة مثل لون العينين والشعر. ولك أن تتصور اذا ما صدقت هذه الفرضية كم من أفكارنا التي نعتنقها ونظن أنها قيم مطلقة، انما هي مجرد أوهام استقرت في عقولنا قادمة من ظهور آبائنا وأجدادنا.
في هذا المقال القصير أردت أن ألفت الانتباه إلى قضية ربما تكون من أخطر ما تعانيه الثقافة العربية المعاصرة ، الشفاهية.
الشفاهية ببساطة تعني أن تأخذ علمك من السابقين وأن تحفظه وتردده لتنقله إلى الآخرين بأمانة، والشفاهية لا تعنى بالحوار بل تفترض وجود طرفين متحدث ومستمع ، ولا يمكن لهما تبادل دوريهما في جلسة واحدة.
المتحدث ينتظر كلمات الاعجاب من المستمع، ولذلك تراه شديد الاهتمام بردود أفعاله التي تظهر في تعابير وجهه وحركة يديه ورجليه ، والمتحدث يوجه حديثه توجيها آنيا من أجل انتزاع كلمات الاعجاب تلك، ربما يغير نبرة صوته او يخفف او يشدد حدة مفرداته، لهذا تجد خطباءنا يرفعون عقيرتهم بالصياح والصراخ على الرغم من وجود أجهزة تكبير الصوت أمامهم.
المشكلة الأكبر التي ورثناها حسب قوانين مندل في الوراثة هي شفاهيتنا في كتابتنا، هل تدري أن أجدادك من أمثال المفضل وأبي عمر والأصمعي كانو يعيبون على الراوي أن يكون عارفا القراءة والكتابة، وكانوا لا يأخذون عنه لأنه يستقي علمه من القراطيس ، وكانو يطلقون عليه لقبا كان يعد شتيمةفي تلك الأيام ، وهو(صُحُفي) ولكن بعد سنين أصبح من غير الممكن لذاكرة انسان ان تحفظ هذا الكم الهائل من التراث الذي جمع فاصبح الشيوخ يجاهرون بالكتابة في حلقات الدرس ، فيملون الاخبار التي حفظوها على تلاميذهم ، ثم يمنحونهم شهادة تؤيد انهم سمعوا تلك الاخبار وحفظوها وتجيز لهم اعادة روايتها،
وعلى الرغم من أننا نتمظهر بمظهر العلمية والتأمل ، فاننا لما نزل شفاهيون إلى العظم . فترانا حين نكتب نحاول تخيل انفعالات القارئ ونكيف كتابتنا حسب هذه الانفعالات.
هذا الفهم يوضح لنا أشياء كثيرة، فهذا هو سبب كون الشعر العربي شعرا غنائيا وجدانيا ، ولا تقبل ذائقتنا (الموروثة طبعا) غير هذا النمط منه. فالشعر المبني على التأمل وافتراض لذة اكتشاف القارئ للعلاقات العميقة في النص ليس شعرا شعبيا بل هو شعر الصفوة ، والصفوة هم أولئك الذين يظنون أنهم انعتقوا من مرض الشفاهية المزمن.
لما نزل نفرض على طلبتنا أن يعرفوا ويحفظوا أن الشعر قائم على العاطفة والخيال ولم نقف عند هاتين الكلمتين لنتأمل مضمونهما، ولم يسألنا يوما أحد طلبتنا عن تعريف للعاطفة أو تعريف للخيال ، ولذلك لم نتنبه إلى أن هذه مفاهيم شفاهية لم تعد صالحة لعصر العلم اذ لا يمكن تعريفها مما يجعلنا نحس معناها احساسا بما لدينا من معارف اجدادنا.

2- الظاهرة الصوتية:

في أحد الأيام كنت مدعوا لحضور افتتاح مستوصف في إحدى مناطق مدينة الكوت ، وهناك التقيت احدى الصديقات المعروفات اقليميا في نشاطهن في تنمية المرأة ، ودار بيننا حوار سريع عن قضية الشفاهية هذه ، وسرعان ما فاجأتني هذه الصديقة بعيارة لم أكن أتوقعها ، قالت : أنا دائما أقول ان العروبة ظاهرة صوتية.
صدمتني هذه العبارة وجعلتني أعيد النظر في كثير من المنطلقات والمفاهيم ، هي عبارة قصيرة ، لكنها تنطوي على تفسير بليغ للظاهرة العربية. الا ترى معي ان جل براعة العرب في الصوت ؟ عرّفوا الفصاحة بانها حسن التأليف بين الأصوات بحيث لايعتورها التنافر ، وانظر الى النحو والاعراب والصرف والبلاغة بكل فروعها سترى انها – في معظمها – لا تعدوا ان تكون وصفا وتصنيفا للظواهر الصوتية .
اما اذا طلبت منك ان ننتقل الى الشعر وعلومه فانت تعرف ماذا سنواجه ، فالشعر قبل كل شيء هو ذلك الكلام الموزون المقفى ، وهذا الشرط الاولي الذي لا تتحقق الشعرية العربية من غيره ليس الا شرطا صوتيا ، ثم انظر الى العدد الهائل من دراسات العروض والقوافي ومئات المصطلحات التي لا يمكن لعاقل ان يضيع وقته في حفظها ، وانظر كيف وصفت هذه المصطلحات انظمة صوتية دقيقة وربما كانت هذه الانظمة في بعض الاحيان خيالية لم يستخدمها شاعر عربي،
هذا المدخل ذاته قد يفسر لنا عدم نشوء الفنون السردية في الأدب العربي حتى القرن العشرين فالذائقة العربية لا تقبل كلاما لا يعتمد الصوت وانظمته عنصرا اساسا في بنائه ، أما الخطابة فقد ازدهرت مع انها فن نثري ، فقد طور العربي اساليب صوتية عدة تجعلها مقبولة ومرحبا بها ، فالسجع والمقابلة والجناس وما شابهها تقنيات لا تخلوا منها خطبة ناجحة.
ودعني في آخر هذه المقالة أطلب منك أن تتذكر كتب الإعجاز ، وانظر ما الإعجاز الذي أحسه العربي في القرآن الكريم ، فالجرجاني والباقلاني والرماني وغيرهم صبوا جل همهم على الظواهر القرآنية الصوتية وراحوا يبحثون تناغم الاصوات وانسجامها وحلاوة التكرار وطلاوته. ومن العجيب ان يظهر باحث أكاديمي يعيش في الولايات المتحدة الامريكية في الربع الاخير من القرن العشرين ليعمل بضعة أعوام في دراسة الاعجاز القرآني باستخدام الكومبيوتر ، وهو السيد رشاد خليفة ، ثم يخرج بعد كل ذلك العناء بان القرآن الكريم مبني بناءً صوتيا محكما ، اذ ان كل حرف فيه وضع في مكانه استنادا الى خطة صوتية معجزة قائمة على العدد 19 ومضاعفاته.
(العروبة ظاهرة صوتية) يمكن أن تفسر لك الكثير من الظواهر المحيرة في الثقافة العربية ولكن هذه العبارة هي نتيجة أو مظهر من مظاهر الشفاهية لا غير.

ولما يزل للحديث بقية طويلة

محمد حسام الدين دويدري
12-24-2008, 12:12 PM
خي الفاضل د. ثائر
مرحباً بك وبتألقك بيننا
هذا الموضوع شائق ويستحق المتابعة، وأعتقد أنّ الظاهرة الصوتية هي ميزة واضحة في اللغة العربية، وهي من العناصر الجمالية الهامة
ننتظر المتابعة
محبتي لك