المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الورشة النقدية : قراءة في قصيدة " التفاتة لما حدث " لحاتم الكاتب :


د. مصطفى عطية جمعة
09-21-2008, 10:40 PM
إليكم هذه القراءة النقدية في قصيدة حاتم الكاتب وعنوانها " التفاتة لما حدث " ، ولنعرض النص ثم نجري نقاشا مفتوحا حولها :

النص :

ألأنكم تستشعرون مرارتى تتضاحكون
وتلطخون وجوهكم بدم العصافير الجريحة ..تفرحون
أم أنكم لا تعلمون


إلتفاتةٌ لما حدث


ديباجة
الصمت كهف الألسنة
واليوم لن نصغى لأية أسئلة
ما دمت تجلس فوق أفواه الحقيقة
ستظل تبحث عن جوابٍ ..لن تجد


(1)
هانت على كل الرجال سيوفهم
واستشعروا خطوات صيادٍ قريبة
جابوا الدروب يباحثون ويعلنون على الملأ
إحجامهم عن طرق أبواب البيوت يسائلون الناس عن أحلامهم
الخيل فى كل الحظائر قد تساوت
والقيد أوشك أن يمزق
قلب البرية فى اشتياقٍ أن يعانق كل دقات السنابك والتفافات الغبار
ما عدت بعد اليوم فارس
حمل الرجال سروج أخيلهم وألقوا بالرماح
هانت عليك الأمنيات وأحكم الصياد فخه
أتظن درعاً قد يفيد
حتماً ستذروه الرياح



وقفة
قلمٌ وأوراقٌ صك العبودية
وقعْ هنا تلقى المجد والضيا
وقعْ ولن تندم عهداً جماعيا
وقعت ..أصبحت نسياً ومنسيا


(2)
الخيل تخترق المدى سرباً ….سراباً لا يهم
والكل فوق التل يرقب صمته
القيد فى أعناقهم وهمٌ ..و هم
أخبرتنا أن الصهيل يجيئنا أفقاً يضم
وتعود خيلٌ تحمل الآتى وتلقى بالبشارة نحونا
وأتت خيولٌ أدركت ..أنَّا فقط
صرنا كما حجرٍ أصم


(3)
من ضاع ..ضاع
واليوم لن تجد الرفاق كما عهدت
الليل يمطر أسئلة
والكوخ يرجف تحت أقدام الظلام
ما عاد بالمصباح زيت
الآن تتضح الرؤى
وتفيض أنهار البكاء ..تشف أنت
الآن حقاً ..انتهيت

_______________________________________________

القراءة النقدية :
في هذا النص تميزات غاية في الروعة :
أولها : هذا الطرح الجديد المستند على الإدانة للواقع المعيش وقد استندت فيه على المعطيات التراثية المتصلة بعالم الفروسية من أخلاق وسيوف ونجدة وشهامة ، وكما تقول :
هانت على كل الرجال سيوفهم
واستشعروا خطوات صيادٍ قريبة
جابوا الدروب يباحثون ويعلنون على الملأ
إحجامهم عن طرق أبواب البيوت يسائلون الناس عن أحلامهم
الخيل فى كل الحظائر قد تساوت

فالرجال تخلوا عن سيوفهم ، وتناءت الخيول ، وبات العجز علامة مميزة على الهوان في المجتمع العربي الآن ، والقصيدة تعقد مقارنة خفية بين أخلاق العربي القديم وعلاماتها ( السيف ، الفارس ، الخيل ) ، وبين هوان العربي المعاصر .

ثانيها : العنوان مثير للدهشة ، فهو نوع من المراجعة على الواقع المعيش ، واقع ذل الأمة ، وتدني عطائها ورضائها بالهوان ، فهو مجرد التفاتة ، والالتفاتة محذوفة الإضافة ، وتعني ( التفاتة إدانة لما حدث ) ، والحدث للماضي والحاضر الآن .

ثالثها : بنية النص ( معماره ) : يعتمد على مقدمة ، ثم ديباجة ، ثم مقطع ( 1 ) ثم وقفة ثم مقطع ( 2 ) ، ( 3 ) ، وهو بناء يستوحي نمط الكتب التراثية في العرض والتقديم ، ويستلهم روح الشعر المعاصر المستند إلى المقطع الشعري أو ما يسمى المقطع / التوقيعي ، ثم الوقفة تتناسب مع مفهوم الالتفاتة أو المراجعة القائم في العنوان .

رابعها : أسلوبية النص غاية في الانسجام ، فهو يعتمد على التجلي الشعري والتناسق ، كما تقول :
أخبرتنا أن الصهيل يجيئنا أفقاً يضم
وتعود خيلٌ تحمل الآتى وتلقى بالبشارة نحونا
وأتت خيولٌ أدركت ..أنَّا فقط
صرنا كما حجرٍ أصم

فالصهيل والحجر الأصم ، رموز فخر بما هو قديم وإدانة لما هو جديد حادث ، وبين هذا وذاك ، تكون بنية شعرية متفردة .

إنه نص متفجر بالطرح ، وفيه الكثير والكثير الذي يدعونا للنقاش .

تحياتي وتقديري