المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جذور العلمانية : صراع العلم والدين ، ترجمة / بديعة لشهب


د. مصطفى عطية جمعة
09-13-2008, 06:35 AM
العلم والدين Science et religion جون لويس شليجل Jean-Louis Schlegel متخصص في سوسيولوجيا الأديان ترجمة: بديعة لشهب

مقدمة:عندما نقرأ هاتين الكلمتين المقرونتين(العلم والدين)تفرض علينا، بشكل عام، صورة تفيد التضارب والتصارع بينهما، صورة العصور الحديثة التي تعكس أن العلم والدين لم يكونا دوما على وفاق. فتقرن بالعلم صورة التنوير والتطور، بينما تقرن بالدين صورة الرجعية والظلامية. لكن هل هذه الصور السلبية مبررة بالكامل عبر الماضي وفي الحاضر؟بدلا من الاقتصار على إعطاء فكرة حول ما يجمع وما يفرق في ذاته بين العلم والدين، سنجد هنا لمحة تاريخية تأخذ بعين الاعتبار، ولو بشكل جزئي، تعددية العلوم و الديانات،و تطورها عبر القرون (في أوروبا)، وكذا بعض الصراعات النوعية التي لا تزال قائمة حتى أيامنا هذه..
**************************
أولا : قرون من التداخل السلمي( العصور القديمة ـ القرون الوسطى ): تكفي قراءة تاريخ العلوم أو تاريخ الأديان؛ للاستنتاج بأنه على مدى زمن طويل جدا ـ حتى الاكتشافات الكبرى للفيزياء الحديثة مع بداية القرن السادس عشر(XVI)ـ ، لم تكن تمثل العلاقات بين العلم و الدين " مشكلة " أو موضوعا لصراعات كبرى. لسبب بسيط ؛ هو أن" صورة العالم " التي نقلتها الديانات الكبرى و كتبها المقدسة لا تتناقض و مقولات العلماء الأوائل، اللذين كانوا بدورهم رجال دين، رهبانا (بيتاغورس) أو فلاسفة (أرسطو الذي اعتبر لزمن طويل كأكبر عارف بالظواهر الطبيعية)؛ وحتى لو حصل وانتقدوها، فإن هذا النقد لا يصل إلى حد التشكيك في أساطير وآلهة عصرهم. زد على ذلك، إن " العلماء " ( les scientifiques ) .. لم يكونوا يحملون هذا الاسم، الذي يعود تاريخه للقرن التاسع عشر، بل كانوا يلقبون بالفلاسفة (des philosophes) أو الحكماء (des sages). عندما صادفت ـ كل من اليهودية ( منذ بداية القرن الثالث و الثاني قبل الميلاد )،ثم المسيحية بعد ولادتها بقليل (منذ القرن الأول و الثاني بعد ميلاد المسيح) ، الهلينية (l'hellénisme) والموروث اليوناني، تبنتا، كمجموع العالم الإغريقي ـ الروماني، نتائج العلوم اليونانية، في الطب، في الفلك ... خاصة في القرن الثاني الميلادي، حيث جعلوا منها " نظام الحركات الكوكبية لبطوليمي " (المتوفى سنة 170 ميلادية). ـ الذي احتفظ بالأرض في مركز توصيفه للكون. كما أصبح " غاليان " "Galien" (المتوفى في السنة 200 بعد الميلاد) بدوره مرجعا في الطب. بتعبير آخر، لم يكن الصراع، في بداية الأمر، بين العلم و الدين، بل كان صرعا داخل الدين: بين الوثنية المجاهرة بالشرك و التوحيد، أو بين الموحدين أنفسهم (اليهودية و المسيحية). وفيما بعد، تمت إعادة اكتشاف "العلوم اليونانية"، التي تقوضت وتبددت مع أفول الإمبراطورية الرومانية (الحرق الجزئي لمكتبة الإسكندرية 269، التي تكبدت كذلك عملية تخريب همجية قام بها ثوار متعصبين ضد الوثنية سنة 415)، من القرن التاسع الميلادي إلى القرن الثاني عشر الميلادي بواسطة " العلوم العربية"، التي احتفظت منها الذاكرة الغربية بأسماء "ابن سيناء" (الطبيب و الفيلسوف الإيراني، المتوفى سنة 1037 ميلادية) وابن رشد " (الفيزيائي والفيلسوف الأندلسي، المتوفى سنة 1198ميلادية)، والتي كانت بدورها خلاقة في الرياضيات و الفيزياء، في الطب، في الجغرافيا، في الكيمياء وفي علم الفلك. لنذكر، مرة أخرى، بأن هؤلاء العلماء بمعنى " savants " وبمعنى " scientifiques" ، كانوا أيضا وعلى وجه الخصوص " رجال دين "، مسلمين " علماء دين " (théologiens) و متصوفة (mystiques )، ولم يكن إذن هناك صراع بين العلم و الإيمان ( باستثناء الطبيب العقلاني الإيراني الرازي، الذي توفي سنة 930 ميلادية، و الذي لم يكن يعتقد بالمعجزات)، إضافة إلى أنهم أنفسهم كانوا يمارسون علم الفلك و الكيمياء القديمة" الخيمياء"، باعتبارها معارف لا تقل أهمية عن باقي المعارف إن لم تفضلها. ومع أفول العصر الذهبي للإسلام (القرن الثاني عشر)، عادت كتابات أرسطو التي كانت قد ترجمت للعربية إلى الغرب من جديد لتتم ترجمتها إلى اللاتينية، وبذلك كان للفيلسوف اليوناني تأثير بالغ على علم اللاهوت (الثيولوجيا) المسمى " علم الكلام " "scolastique " (ألبير لو غران" "Albert le Grand "،توماس داكيين" Thomas d'Aquin" )، و بخاصة فيما يتعلق بأهمية العقل البشري القادر على الإله نفسه عند غياب الوحي .
******************
ثانيا: زمن الأزمات و القطائع( من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين)في سنة 1686، جاء في محاورات " فونتنيل"(Fontenelle ) حول تعددية العوالم أن رجلا من صفوة المجتمع حكى بأسلوب طريف، أنه تحت سماء مزدانة بالنجوم، كان لعلم الفلك الحديث رفقة : قدم ألماني يدعى " كوبرنيك" (Copernic ) ، الذي نهب كل هذه الدوائر المختلفة، و كل هذه السماوات الصلبة، التي تم تصورها عبر العصور القديمة. حطم بعضها، جزأ البعض الآخر. أمسك بقبضة عالم الفلك ، أخذ الأرض و أرسلها بعيدا جدا عن مركز الكون الذي كانت متموضعة به ، ليضع الشمس مكانها .. .في الواقع أن كوبرنيك ( ألماني من أصل بولوني 1473ـ1543 ) كان و بقي أحد رعايا الكنيسة الكاثوليكية ،" شانوان "([3] ) (chanoine ) ؛ لكنه عندما ظن أن اكتشافه قد يجلب له المتاعب مع الكنيسة وقتذاك، لم يظهر كتابه حول " ثورة الأجرام السماوية " إلا قبيل وفاته. فقد قادته أعماله إلى الاستنتاج بأن الشمس هي مركز الكون و ليست الأرض، و بأن الأرض، كباقي الكواكب، تدور حول الشمس، كما تدور حول نفسها. و عليه، تم الانتقال من " مركزية الأرض " (géocentrisme) إلى " مركزية الشمس " (héliocentrisme ). من وجهة نظر دينية، يجب تسجيل نقطتين : أفكار "كوبرنيك " كانت بعيدة عن أن يتقاسمها مع علماء آخرين، حتى أن معظم معاصريه كانوا يرفضون إتباعه و استمروا في التمسك بما جاء به " بتولمي " (Ptolémée ) ؛ بتعبير آخر، كان هناك جدل قائم و لم يتم المرور دفعة واحدة نحو بداهة " مركزية الشمس"، حيث كان يجب الانتظار حتى تصبح هذه البداهة راسخة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فبحكم أن هذه الأفكار بقيت نظرية،فإن "كوبرنيك" لم يكن يشكل "مصدر قلق، رغم أن الكنيسة الكاثوليكية، و كذلك "مارتن لوثر" و أوائل الإصلاحيين عبروا عن نقدهم و استهجانهم لما جاء به (لم تتم محاكمته في روما إلا سنة 1616 ) . لكن من بعده أثبت "كبلر " "Kepler " (1571ـ 1630 ) أن الكواكب تدور حول الشمس حسب "قطع إهليلجي " (une ellipse )، و القوانين التي تحمل اسمه تأسس القواعد الرياضية لتحركاتها. غير أنه، رغم ما جاء في " علم الفلك الجديد "( Astronomia Nova: و هو عنوان لواحد من أهم أعماله)، بقي "كبلر" مسيحيا بعمق؛ فقد لاحظ بأن العالم مسير وفق تناغم رباني مدار من طرف الخالق و منظم بإتقان رياضي...لم تتفجر العلاقة إذن، إلا مع" جليلي "(Galilée ). فالجديد الذي قدمه ليس في اكتشافه لدوران الأرض حول الشمس، و إنما في إظهاره لذلك بواسطة المنظار، أي إثباته تجريبيا. تصعب العودة بتفصيل إلى الدعوى القضائية التي أقامتها ضده محاكم التفتيش الرومانية، التي استمرت لسنوات؛ إلى أن تراجع، تحت الإكراه، عما سبق أن دلل عليه. و قد رويت عنه كلمة مأثورة قالها في تلك اللحظة المأساوية: " و رغم ذلك فهي تدور!" (E pur si muove !) . و منذ ذلك الحين أصبحت " قضية جليلي" رمزا لكل أنواع القمع التي تمارسها مختلف الديانات على مختلف العلوم... ربما لأنه لأول مرة،و بشكل رسمي احتفالي،سمحت جهة دينية رسمية لنفسها، باسم "حقيقتها الغيبية غير المرئية"، بتكذيب و محاكمة " حقيقة العلوم الطبيعية المرئية " التي أثبتتها التجربة .لكن بعيدا عن التعقيدات المختلفة لهذه القضية، يجب التذكير هنا، بأن سبب المحاكمة هو الاعتقاد بأن أطروحة "مركزية الشمس" وضعت على المحك، الحقيقة التي جاء بها الكتاب المقدس المتعلقة بـ "مركزية الأرض"، كما تم تأويله لأنه لا يوجد بهذا الخصوص أي تأكيد قطعي في الإنجيل و لا أي نص أو مقطع كيفما كان، يدعو للتصديق بنموذج بعينه و ليس بنموذج آخر. في الواقع،فإن هذا التخوف قائم، هو نفسه، على فكرة مسبقة خاطئة، على سوء فهم أساسي فيما يتعلق بالكتاب المقدس : فهو ليس كتابا علميا، يشتمل على حقائق علمية حول الكون ،و الحياة ، والجنس ، إلخ. فقد يرى فيه البعض وحي الإله في التاريخ البشري، و يرى فيه البعض مجموعة قصص و روايات أسطورية غريبة و متضاربة فيما بينها ، بينما يرى فيه البعض الآخر، تحفة أدبية للإنسانية؛ لكن اعتباره كتابا علميا أو دراسة علمية (حول الطبيعة و الإنسان و الحياة؛ حول أصولها ، مستقبلها ، و غاياتها ، إلخ. ) يشكل ببساطة خطأ جسيما. و مع ذلك، فإن هذا الخطأ لم يفتأ يتكرر إلى يومنا هذا.
******************
)ـ انقلاب العقليات. من المحتمل أن إدانة " جاليلي " تعكس إحساس الكنيسة، دون وعي منها، بحلول عهد جديد : عهد الفصل بين الدين و باقي مجالات الحياة. ليس فقط العلم، لكن كذلك الفلسفة، التربية، القانون... التي أصبحت دنيوية، وتمت "علمنتها ". تم الوعي إذن، بأن البحث العلمي لا يمكنه فقط، و إنما يجب أن يستغني عن "فرضية الإله" l'hypothèse Dieu . و بذلك تم التخلص من" الصورة الدينية للعالم " ( ماكس فيبر) التي توحد و تربط كل شيء. ليصبح الدين حقيقة من بين حقائق أخرى، ومجرد اختيار شخصي.في القرن السابع عشر و الثامن عشر، بينما كانت الكنائس تمعن في إدانة العلماء، و كان "نيوتن " (1642ـ1727 ) يدعم صرح الفيزياء الحديثة ( بفضل القوانين الكونية " للميكانيك الإلهية "، كتلك المتعلقة بالجاذبية)، انقلبت العقليات عند العلماء، المفكرين،العباقرة ،الزنادقة: وتوقفوا عن أن يكونوا مؤمنين، أصبحوا"معاديين للإكليروس "(anticléricaux )، ألهانيين ، ليتحولوا بعد ذلك إلى ملحدين و ماديين، خصوصا مع " فلسفة الأنوار" (l'Aufklärung) الفرنسية في القرن الثامن عشر، و أخيرا " وضعيين" و "علمويين " في القرن التاسع عشر: يؤمنون بعقيدة واحدة؛ هي عقيدة العلم و التطور اللامتناهي بفضل العلم .هذا التطور في العقليات كانت له كذلك امتداداته في الفلسفة : "ديكارت" (Descartes)، "سبينوزا "(Spinoza) ، و تحديدا فيما يخص العلاقة بين العلم و الإيمان،" إيمانويل كانط"( Emmanuel Kant)، الذي شكلت دراسته حول " نقد العقل الخالص" 1781 تحولا حاسما إضافيا.لنقس الطريق الذي قطع على مدى قرنين، من جهة العلماء ، المفكرين ، و الفلاسفة ... عندما صدق " كانط" نفسه، و تمسك بكتابة ما يلي في مقدمة كتابه : أردت تأكيد المعرفة إنقاذا للإيمان ,؛> يعني بالنسبة لكانط أن كل العلوم الفيزيائية تصدر عن ظواهر محددة في المكان و الزمان، أي عن التجربة الملموسة؛ وحسب وجهة النظر هذه ، لا توجد أية معرفة ممكنة، لا يوجد أي " دليل " علمي على وجود الله و الظواهر" فوق الطبيعية " الأخرى. و> بالنسبة لحياته العملية، لاستفهامه حول "مغزى" حياته، على الإنسان ، مع ذلك ، أن يستفهم حول الإله ، حول الخلود ،حول الحرية الإنسانية ؛ فلا يمكن لأي عالم تقديم دليل إيجابي على أن الحقائق الغيبية غير موجودة ؛ كما أن " الافتراض المسبق " بوجودها، لا يمكن اعتباره أمرا غير منطقي، بل على العكس من ذلك، بالنسبة لـ" كانط" هو أمر جد منطقي إذا أردنا المضي حتى نهاية " الواجب الأخلاقي" (l'exigence morale ) ...من المؤكد أن كل هؤلاء الفلاسفة، ليس فقط "سبينوزا"، لكن كذلك المؤمنين منهم ،مثل"ديكارت " أو" كانط"، تمت إدانتهم و وضعت أعمالهم على القائمة ( قائمة الأعمال المدانة من طرف محكمة التفتيش بروما) .يبدو أن القطيعة تمت بشكل نهائي، لا رجعة فيه، بين الكنيسة الكاثوليكية،على وجه الخصوص ، و العلم الحديث. أكثر من ذلك ، لقد أحدث اكتشاف علمي آخر، في القرن التاسع عشر ، توثرا جديدا لا يزال قائما إلى يومنا هذا : بالنسبة للكاثوليك و بدرجة أكبر بالنسبة للبروتستانت القارئين المتعصبين للكتاب المقدس؛ ذلك أن" داروين" (Darwin ) بتفسيره ظهور الإنسان بطريقة محض طبيعية، من خلال"التطور الانتقائي للأنواع "(une évolution sélective des espèces ) على مدى ملايين السنين ،قد أحدث انقلابا.

اسيل
11-09-2008, 08:13 PM
موضوع جميل وشيق يحتاج الى تركيز شديد
قد اعود في وقت لاحق بأذن الله