الوافي
03-01-2006, 09:45 PM
أختزن في ذاكرتي بعضا من حكايات مصيبة غرق العبارة المصرية في البحر الاحمر قبل ثلاثة أسابيع . منها ما يتصل عبر واسطة شخص واحد بناجين من الحادث و منها ما جمعته من قراءتي في الأخبار المعنية بالحادث .
كانت البداية عندما اندلع حريق في الطابق السفلي من العبارة حيث عدد من الشاحنات . لم يستطع البحارة إطفاء الحريق بالوسائل التقليدية عندها قرر القبطان فتح باب في هيكل السفينة الخارجي يطل على هذا الطابق لتغمر جزء منه مياه البحر مما سيقضي تماما على النار المتوقدة ، و بمساعدة 12 محركا سيتم ، عقبها ، إخراج مياه البحر إلى خارج السفينة ، و فـُـتح الباب و تدفق الماء و انطفأت النار ثم جاء دور المحركات فكانت الطامة ان لم يعمل منها إلا اثنان . أيقن القبطان بالهلاك فأذاع بمكبر الصوت ، حرفيا ، إلى الركاب أنكم ستصيرون الليلة " رزقا للسمك " . كان القبطان يعرف سوء حال السفينة و قبل خروجه من مينا ضباء السعودي شعر بخطر البحر العاصف بالريح الشديدة فأبرق مرتين إلى مالك السفينة ، مرة في الميناء و مرة عند استوائه في عرض البحر ليس ببعيد عن الشاطئ ، يطلب إعفاء الرحلة إلى اليوم المقبل ، و الرد كان صارما : أنك ستفقد عقدك و ستفصل من عملك إن فعلت . طبعا بعد ما حدث من حريق و محاولة الإطفاء الفاشلة مالت السفينة و بدأت بالغرق .
فتى لم يتعدى الثامنة عشر أيقن بغرق المركب فقفز إلى البحر و بدأ يسبح مبتعدا عنه لمدة ساعتين كما يقول ، لا ينظر خلفه من الخوف و الرعب . و لما أحس بالتعب توقف و أصبح يعمل على موازنة نفسه ليبقى على سطح الماء دون بذل جهد ربما سيكلفه الإنهاك المؤدي للموت . لم يسبح بأي اتجاه مخافة أن يتجه إلى عمق البحر بدلا من التوجه نحو الشاطئ ففضل البقاء في مكانه يتقلب في اوضاع مختلفة ، على البطن و على الظهر و أخيرا بالوقوف عموديا ، و بعد خمسة عشر ساعة مرت سفينة بنغلاديشية قامت بإنقاذه و تركته في ميناء الأردن . يقول هذا الفتى أنه ، قبل غرق السفينة ، أحس بالخطر فلبس طوق نجاة و لكن احد البحارة طمأن الجميع إلى ان الوضع تحت السيطرة فخلع الطوق و تركه عند قدميه و ما لبثت السفينة ان مالت فجأة فتزحلق طوقه بعيدا عنه ليفقده نهائيا ، و لولا انه سباح ماهر قد حصل على بطولة في رياضة السباحة لابتلعه البحر منذ أمد بعيد .
و في حكاية أخرى ، خلفت بعض الضحايا رحمهم الله ، عن ثلاثة معلمين مصريين يعملون في السعودية في نفس المدرسة ، أحدهم كان معه أبواه يصطحبهما إلى مصر بعد أن قاما بأداء فريضة الحج ، و هناك كان سيلتقي بزوجته و اولاده ليقضي بينهم أسبوع العطلة قبل العودة إلى السعودية . بعد غرق العبارة تمسك هؤلاء الثلاثة و الأبوان و معهم إثنان آخران غريبان بلوح خشبي ضخم . الشيخ و العجوز انهارت قوتاهما بسرعة و عجزا عن الإستمرار في التمسك باللوح فأفلتاه و حاول إبنهما إنقاذهما فغرق معهما ، رحمهم الله . بقي معلمان و معهما الغريبان . إلى أن جاءت سمكة قرش وحشية حامت حولهم و فغرت فمها الضخم من أسفلهم فقضمت نصف احدهم و كان احد المعلمين . لم يصدر منه صوت بل تشنج و خرجت أنفاسه مكتومة . و انفجر الدم بالطبع و تمسك النصف الباقي في اللوح لمدة دقيقتين ثم انزلق عنه إلى البحر ، رحمه الله . وقع الثلاثة المتبقون في رعب عظيم من هذا الوحش البحري و كل واحد أصبح يتحين دوره في الهلاك و لكنه لم يرجع و الظاهر انه شبع إثر إلتهام نصف إنسان .. و جاءت النجدة متأخرة بعد أن كادت النفوس أن تزهق من مكر اليأس و الخوف و التعب و أفواه أسماك القرش .
و أيضا هناك فتاة لم تتخرج بعد من المرحلة الثانوية ، استطاعت الحصول على طوق نجاة لكنها ، من شدة خوفها و فزعها ، احتضنت عمودا من السفينة رغم انها بدأت تميل إلى الأسفل . شاهدها شاب . فأوعز إليها أن فرصة النجاة تكمن في القفز من العبارة إلى البحر لكي لا تسحبها السفينة إلى الأعماق ، و لكن الرعب جعلها لا تنفك عن السارية . عندها مد لها الشاب يديه و قال لها أنا سانقذك فهيا أمسكي ، و لما تخلت عن العمود سحب الشاب يديه و دفعها تجاه البحر . وجدت قطعة خشب كبيرة تمسكت بها و مجموعة من الركاب و كان من ضمنهم ذاك الشاب ، أضنى العطش تلك الفتاة و رحمة الله سخرت لها قنينة ماء مغلقة مسجية على سطح الماء ، شربت و نال الآخرون منها نصيبهم . أيضا أصابها الجوع فإذا بتفاحة تسبح قريبة منهم أكلت الفتاة منها ثم إذا بثمرة طماطم تظهر فساعد ذلك في تقوية الصمود و شد الأزر و التفاؤل بالله أن ينجيهم . الغرق تم الساعة 2 ليلا و لم تأت النجدة إلا الخامسة عصرا و كانت مروحية مصرية انزلت لهم سلما لم يستطيعوا تسلقه فغادرت ليأتي مركب الإنقاذ الساعة العاشرة ليلا و كان جلد الفتاة متهتكا بفعل الفترة الطويلة لبقائها في الماء . تصوروا .. 18 ساعة في البحر تهددهم أسماك القرش و الموج يلطم الموج معلقين في خشبة !! فأين فرق الإنقاذ المصرية كل هذه الساعات !! . في اليوم التالي لغرق السفينة قرأت خبرا في صحيفة الحياة عن العبارة ، يذكرُ أن سفينة حربية أمريكية قريبة و جهة فرنسية عرضتا المساعدة إلا أن السلطات المصرية رفضت اليد الممدودة ! . و لأن الجهات المصرية كانت في حالة بلاهة عجيبة ، فإني أستنتج انها جهات لا تملك لا أيدي و لا حتى أرجل بل لا تملك حتى عاطفة . و قد تضافرت الجهود في خنق دخان الكارثة . يحدثني من نقل لي رفض السلطات المصرية تقديم الغذاء و الشراب للناجين في الميناء المصري من اجل إجبارهم على الرحيل إلى بيوتهم قبل أن تجتمع عليهم وسائل الإعلام و تروح هذه الجهات في خبر كان . لا وزيرا استقال مع أن المفروض ان تستقيل الحكومة كلها احتراما لهذه الكارثة و للضحايا و لروح المسؤولية ، و هيهات ثم هيهات أن تحدث حتى إستقالة بواب تابع للحزب الحاكم . كم نحن رخيصون عند أنفسنا فصرنا بذلك شيئا لا يكاد يذكر عند غيرنا .
تضمنت السفينة المنكوبة مئة طفل لم يظفر بالحياة منهم إلا طفل واحد تكفل به لاعب كرة قدم مصري شهير رغم أن والداه على قيد الحياة يرزقان . على ظهرها سافر 1400 راكب ، ألف منهم لم يعثر لهم على بقية ، ربما إلتهمتهم القروش أو حيل بينهم و بين الخروج من السفينة فغرقوا معها أو تعبوا و كلوا فأسلموا أرواحهم أو كانوا ممن لا يعرف السباحة أو .. أو .. !! . أما الأربعمائة المعثور عليهم فكانوا بين ناج و غريق . الجثث جعلت لها مقابر جماعية رأينا صورها ، فرحمهم الله .
كانت البداية عندما اندلع حريق في الطابق السفلي من العبارة حيث عدد من الشاحنات . لم يستطع البحارة إطفاء الحريق بالوسائل التقليدية عندها قرر القبطان فتح باب في هيكل السفينة الخارجي يطل على هذا الطابق لتغمر جزء منه مياه البحر مما سيقضي تماما على النار المتوقدة ، و بمساعدة 12 محركا سيتم ، عقبها ، إخراج مياه البحر إلى خارج السفينة ، و فـُـتح الباب و تدفق الماء و انطفأت النار ثم جاء دور المحركات فكانت الطامة ان لم يعمل منها إلا اثنان . أيقن القبطان بالهلاك فأذاع بمكبر الصوت ، حرفيا ، إلى الركاب أنكم ستصيرون الليلة " رزقا للسمك " . كان القبطان يعرف سوء حال السفينة و قبل خروجه من مينا ضباء السعودي شعر بخطر البحر العاصف بالريح الشديدة فأبرق مرتين إلى مالك السفينة ، مرة في الميناء و مرة عند استوائه في عرض البحر ليس ببعيد عن الشاطئ ، يطلب إعفاء الرحلة إلى اليوم المقبل ، و الرد كان صارما : أنك ستفقد عقدك و ستفصل من عملك إن فعلت . طبعا بعد ما حدث من حريق و محاولة الإطفاء الفاشلة مالت السفينة و بدأت بالغرق .
فتى لم يتعدى الثامنة عشر أيقن بغرق المركب فقفز إلى البحر و بدأ يسبح مبتعدا عنه لمدة ساعتين كما يقول ، لا ينظر خلفه من الخوف و الرعب . و لما أحس بالتعب توقف و أصبح يعمل على موازنة نفسه ليبقى على سطح الماء دون بذل جهد ربما سيكلفه الإنهاك المؤدي للموت . لم يسبح بأي اتجاه مخافة أن يتجه إلى عمق البحر بدلا من التوجه نحو الشاطئ ففضل البقاء في مكانه يتقلب في اوضاع مختلفة ، على البطن و على الظهر و أخيرا بالوقوف عموديا ، و بعد خمسة عشر ساعة مرت سفينة بنغلاديشية قامت بإنقاذه و تركته في ميناء الأردن . يقول هذا الفتى أنه ، قبل غرق السفينة ، أحس بالخطر فلبس طوق نجاة و لكن احد البحارة طمأن الجميع إلى ان الوضع تحت السيطرة فخلع الطوق و تركه عند قدميه و ما لبثت السفينة ان مالت فجأة فتزحلق طوقه بعيدا عنه ليفقده نهائيا ، و لولا انه سباح ماهر قد حصل على بطولة في رياضة السباحة لابتلعه البحر منذ أمد بعيد .
و في حكاية أخرى ، خلفت بعض الضحايا رحمهم الله ، عن ثلاثة معلمين مصريين يعملون في السعودية في نفس المدرسة ، أحدهم كان معه أبواه يصطحبهما إلى مصر بعد أن قاما بأداء فريضة الحج ، و هناك كان سيلتقي بزوجته و اولاده ليقضي بينهم أسبوع العطلة قبل العودة إلى السعودية . بعد غرق العبارة تمسك هؤلاء الثلاثة و الأبوان و معهم إثنان آخران غريبان بلوح خشبي ضخم . الشيخ و العجوز انهارت قوتاهما بسرعة و عجزا عن الإستمرار في التمسك باللوح فأفلتاه و حاول إبنهما إنقاذهما فغرق معهما ، رحمهم الله . بقي معلمان و معهما الغريبان . إلى أن جاءت سمكة قرش وحشية حامت حولهم و فغرت فمها الضخم من أسفلهم فقضمت نصف احدهم و كان احد المعلمين . لم يصدر منه صوت بل تشنج و خرجت أنفاسه مكتومة . و انفجر الدم بالطبع و تمسك النصف الباقي في اللوح لمدة دقيقتين ثم انزلق عنه إلى البحر ، رحمه الله . وقع الثلاثة المتبقون في رعب عظيم من هذا الوحش البحري و كل واحد أصبح يتحين دوره في الهلاك و لكنه لم يرجع و الظاهر انه شبع إثر إلتهام نصف إنسان .. و جاءت النجدة متأخرة بعد أن كادت النفوس أن تزهق من مكر اليأس و الخوف و التعب و أفواه أسماك القرش .
و أيضا هناك فتاة لم تتخرج بعد من المرحلة الثانوية ، استطاعت الحصول على طوق نجاة لكنها ، من شدة خوفها و فزعها ، احتضنت عمودا من السفينة رغم انها بدأت تميل إلى الأسفل . شاهدها شاب . فأوعز إليها أن فرصة النجاة تكمن في القفز من العبارة إلى البحر لكي لا تسحبها السفينة إلى الأعماق ، و لكن الرعب جعلها لا تنفك عن السارية . عندها مد لها الشاب يديه و قال لها أنا سانقذك فهيا أمسكي ، و لما تخلت عن العمود سحب الشاب يديه و دفعها تجاه البحر . وجدت قطعة خشب كبيرة تمسكت بها و مجموعة من الركاب و كان من ضمنهم ذاك الشاب ، أضنى العطش تلك الفتاة و رحمة الله سخرت لها قنينة ماء مغلقة مسجية على سطح الماء ، شربت و نال الآخرون منها نصيبهم . أيضا أصابها الجوع فإذا بتفاحة تسبح قريبة منهم أكلت الفتاة منها ثم إذا بثمرة طماطم تظهر فساعد ذلك في تقوية الصمود و شد الأزر و التفاؤل بالله أن ينجيهم . الغرق تم الساعة 2 ليلا و لم تأت النجدة إلا الخامسة عصرا و كانت مروحية مصرية انزلت لهم سلما لم يستطيعوا تسلقه فغادرت ليأتي مركب الإنقاذ الساعة العاشرة ليلا و كان جلد الفتاة متهتكا بفعل الفترة الطويلة لبقائها في الماء . تصوروا .. 18 ساعة في البحر تهددهم أسماك القرش و الموج يلطم الموج معلقين في خشبة !! فأين فرق الإنقاذ المصرية كل هذه الساعات !! . في اليوم التالي لغرق السفينة قرأت خبرا في صحيفة الحياة عن العبارة ، يذكرُ أن سفينة حربية أمريكية قريبة و جهة فرنسية عرضتا المساعدة إلا أن السلطات المصرية رفضت اليد الممدودة ! . و لأن الجهات المصرية كانت في حالة بلاهة عجيبة ، فإني أستنتج انها جهات لا تملك لا أيدي و لا حتى أرجل بل لا تملك حتى عاطفة . و قد تضافرت الجهود في خنق دخان الكارثة . يحدثني من نقل لي رفض السلطات المصرية تقديم الغذاء و الشراب للناجين في الميناء المصري من اجل إجبارهم على الرحيل إلى بيوتهم قبل أن تجتمع عليهم وسائل الإعلام و تروح هذه الجهات في خبر كان . لا وزيرا استقال مع أن المفروض ان تستقيل الحكومة كلها احتراما لهذه الكارثة و للضحايا و لروح المسؤولية ، و هيهات ثم هيهات أن تحدث حتى إستقالة بواب تابع للحزب الحاكم . كم نحن رخيصون عند أنفسنا فصرنا بذلك شيئا لا يكاد يذكر عند غيرنا .
تضمنت السفينة المنكوبة مئة طفل لم يظفر بالحياة منهم إلا طفل واحد تكفل به لاعب كرة قدم مصري شهير رغم أن والداه على قيد الحياة يرزقان . على ظهرها سافر 1400 راكب ، ألف منهم لم يعثر لهم على بقية ، ربما إلتهمتهم القروش أو حيل بينهم و بين الخروج من السفينة فغرقوا معها أو تعبوا و كلوا فأسلموا أرواحهم أو كانوا ممن لا يعرف السباحة أو .. أو .. !! . أما الأربعمائة المعثور عليهم فكانوا بين ناج و غريق . الجثث جعلت لها مقابر جماعية رأينا صورها ، فرحمهم الله .