صالح سعيد الهنيدي
08-12-2005, 06:36 PM
موريتانيا ..ماذا بعد انقلاب القصر ؟؟
أمين محمد / نواكشوط 6/7/1426 - 11/08/2005
فيما يشبه "ثورة بلاط"، أو "انقلاب قصر" تمكن ضباط موريتانيون مقربون جدا من الرئيس الموريتاني السابق"معاوية ولد سيد احمد الطايع" من القيام بانقلاب مفاجئ بكل المقاييس ، سيطروا من خلاله على مقاليد السلطة دون إراقة دماء .
مفاجئ بالنسبة لولد الطايع نفسه لأنه قضي خلال فترة حكمه الطويل(21 سنة) على كل محاولات تقويض وإزالة نظامه العتيد، حتى تلك التي بدت وكأنها مدمرة وقاضية..
ثم مفاجئ بالنسبة له .. لأن الذي تولى كبرها هم أقرب المقربين له على الإطلاق..هم أهل ثقته وخاصته من بين جميع من يتحركون في دائرة التأييد والمساندة..
ثم هو مفاجئ له أيضا لأنه كان يظن أن عهد الانقلابات عليه قد ولى بعدما قدر على أهم القوى العسكرية المناهضة لنظامه(فرسان التغيير) واعتقل وحاكم قادتهم، وصفى وطرد الكثير من مؤيديهم ومناصريهم من الجيش...ثم طفق – بعدما ارتاح من أي قوة عسكرية مناوئة- يتوجه نحو أهم القوى السياسية المعارضة لحكمه (التيار الإسلامي) يقلم أظافرها،ويجفف منابعها، ويستأصل منابتها.
لكن الحدث لم يكن مفاجئا بالنسبة للكثير من المراقبين المدركين لواقع الأمور في موريتانيا؛ حيث يزداد الاحتقان السياسي يوما بعد يوم آية ذلك الاعتقالات السياسية التي لا تفتر موجة منها إلا لتثور أخرى، وبتهم ودعاوى باتت مفضوحة وممجوجة ، تلك الاعتقالات التي طالت الجميع ووزعت -لوحدها- بعدالة على الجميع، رغم أن التيار الإسلامي بات هدفها المفضل خلال السنين الأخيرة.
أما الأزمة الاقتصادية فتستفحل باطراد رغم خيرات البلد وموارده الكثيرة، وما صعود الأسعار إلى السماء، وهبوط العملة إلى أدنى الأعماق إلا شواهد بسيطة على ذلك..
ولا يبدوا من أبسط أسباب الغضب على "ولد الطايع" ونظامه ما تعرضت له هوية البلد في عهده من ضربات وطعنات عميقة مثلت العلاقات المدانة مع الصهاينة، وفرنسة التعليم، والحط من شأن اللغة العربية والتربية الإسلامية أهم مظاهرها وشواهدها..
كل تلك العوامل شكلت -وإن لم يكن "ولد الطايع" يعي ذلك- محفزات ودوافع، وفى نفس الوقت مبررات أخلاقية، وأغطية شرعية لمن يرغبون في وضع حد لنظام شعر الجميع بطول بقائه، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن الوضع في موريتانيا لا زال يشبه ما هو موجود في الكثير من الدول الإفريقية حيث العسكر ممسك بمقاليد الأمور، ولاعب أساسي في مجريات الحياة العامة..
أيا تكن الأسباب والدوافع فإن مجموعة من الضباط ذوى الرتب العالية، والمواقع الحساسة، قد تمكنت من التخطيط بدقة محكمة يترجمها –من بين أمور أخرى- اختيار التوقيت المناسب حيث كان "ولد الطايع" في سفر خارجي بهدف تقديم واجب العزاء في وفاة الملك فهد بن عبد العزيز – رحمه الله -
بدأ تنفيذ الانقلاب في الساعات الأولى من فجر الأربعاء03/08/2005 بزعامة العقيد علي محمد فال المدير العام للأمن الوطني، والعقيد محمد ولد عبد العزيز قائد الحرس الرئاسي، والعقيد عبد الرحمن ولد بوبكر القائد المساعد للجيش الوطني،والعقيد محمد ولد الشيخ احمد المعروف بولد الغزواني
وفي ساعات قليلة، ودون أي مقاومة تمكنت وحدات من الحرس الرئاسي من بسط سيطرتها المطلقة على أهم المناطق الحساسة ابتداء بقيادات الجيش والدرك والحرس، وانتهاء بمباني الإذاعة والتلفزيون. ليستيقظ الموريتانيون صباحا على تلك الأجواء التي لم يعهدوها، وظلت الأمور في غموضها، تعبث بها الشائعات وتصرفها في كل اتجاه..إلى حين انبلاج الأمور..
البيان رقم 1
واستمرت الأمور يلفها الغموض إلى حين صدور البيان رقم1 الذي جاء ليقطع الشك باليقين.
وجاء في البيان:" إن القوات المسلحة وقوات الأمن قررت -بالإجماع- وضع حد للممارسة الاستبدادية للحكم البائد التي عانى منها شعبنا خلال السنوات الأخيرة،"
ورغم صدور البيان الأول فإن الغموض ظل يضرب أكنافه حول طبيعة القادمين الجدد، إلي حين صدور البيان الثاني مساء نفس اليوم الذي حدد المجلس من خلاله طبيعة تشكلته. ردود الفعل الداخلية والخارجية
تباينت المواقف الداخلية والخارجية إزاء الانقلاب، ففي حين كان الطابع الغالب على المواقف الداخلية هو الدعم والمساندة بحذر وتحفظ أحيانا، وبحماس وإطلاق في أحيان أخرى ، في الوقت نفسه مثلت المواقف الخارجية نقيض ذلك فتراوحت مابين المتحفظ المتردد في أحسن الأحوال ، أو المعارض المطالب بعودة الرئيس السابق كما هو حال الموقف الأمريكي و كذلك موقف الاتحاد الإفريقي .
الإسلاميون يرحبون :
الإسلاميون الذين نالوا مؤخرا من ظلم وبطش النظام السابق الشيء الكثير، والذين يوجد أزيد من خمسين من قياداتهم ومنتسبيهم رهن المعتقلات وقت إعلان نجاح الانقلاب عبروا عن ترحيبهم بتغيير نظام الحكم في البلاد مشددين على "ضرورة التشاور مع كل الفاعلين السياسيين؛ من أجل وضع الترتيبات الضرورية لعودة الحياة الدستورية إلى البلاد، بشكل يصون الحريات الفردية والجماعية؛ ويؤدي إلى التئام الشمل، وطي صفحات الماضي المؤلمة، وتجنيب البلاد ويلات الاضطراب والقلاقل والفتن الداخلية".
وأكد البيان -الذي وقعته ثمان عشرة شخصية- أن ذلك "لن يتأتى إلا بوفاء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية بالعهود التي قطعها على نفسه؛ وإعطاء ضمانات جدية بإقامة مؤسسات ديمقراطية، منتخبة بشفافية تامة؛ وفتح باب الحريات الفردية والجماعية على مصراعيه أمام كل القوى السياسية؛ دون استثناء ولا إقصاء ولا تمييز.. وذلك في أجل يجب أن لا يصل الحد الأقصى للفترة الانتقالية المحددة في بيان المجلس".
وعبر الإسلاميون عن أملهم في أن تكون القيادة الجديدة عند حسن الظن؛ وأن تحدث "قطيعة مع الماضي؛ وتلبية طموحات شرائح عريضة من هذا الشعب، ظلت تنتظر الخلاص من الواقع المأساوي الذي كانت ترزح تحته".
أما اللجنة الدائمة لتكتل القوى الديمقراطية -أحد أكبر أحزاب المعارضة- فقد اعتبرت -من جهتها- أن هذا الحدث جاء "في ظرفية بالغة الخطورة، تتميز بغياب دولة القانون، ومصادرة جميع الحريات ..
مضيفة أن " تكتل القوى الديمقراطية الذي يتخذ من العدالة والديمقراطية محورين أساسيين لبرنامجه السياسي:
- يسجل باهتمام إعلان النوايا الإيجابية؛ الصادرة عن المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية.
- يؤكد استعداده للعمل مع السلطة الجديدة للبلاد، ومع جميع الإرادات الطيبة؛ من أجل الدفع بموريتانيا نحو آفاق جديدة لديمقراطية حقيقية، وإرساء نمو اقتصادي واجتماعي مستديم، من أجل استرجاع موريتانيا مكانتها العربية والإفريقية والإسلامية."-
كما عبر التحالف الشعبي التقدمي ذي التوجه القومي عن ارتياحه لإزاحة نظام ولد الطايع على الرغم من التزامه "بمبدإ التداول السلمي للسلطة؛ بعيدا عن التغيير بالطرق العنيفة وغير الديمقراطية"
أما حزب الصواب فقد عبر عن ارتياحه لنهاية حكم ولد الطايع؛ الذي وصفه بـ"الفاقد للنخوة" وعبر عن تفهمه لـ"خطوة القوات المسلحة" و يعتبرها "نتيجة منطقية لتعنت النظام المستبد، وانسداد كل أفق للتناوب السلمي على السلطة".
ووزع الحزب الجمهوري الحاكم الذي يرأسه الرئيس السابق ولد الطايع بيانا تلاه أمينه العام على الصحفيين اليوم الأول للانقلاب.. جاء فيه أنه :"فوجئ .. بأنباء المحاولة الانقلابية التي استهدفت النظام الديمقراطي والمؤسسات الدستورية". وأضاف: "إن الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي ليدين هذه المحاولة، ويؤكد أن عهد الانقلابات قد ولى، وأن المس بالنظام الديمقراطي ومؤسساته المنتخبة مرفوض."
وفى وقت لاحق عاد الحزب الجمهوري فأصدر بيانا تراجع بموجبه عن موقفه السابق، وقال في بيانه الجديد "إنه يدعم وبقوة ما أسماه برنامج الحركة التصحيحية بقيادة المجلس العسكري".
في ما عبرت بقية أحزاب وهيئات المجتمع المدني داخليا عن دعمها ومساندتها لهذا الانقلاب.
كما أصدرت المعارضة الموريتانية في الخارج بيانات عبرت فيها عن ارتياحها لزوال نظام ولد الطايع، وأيدت فيها الشعارات التي وردت في بيان المجلس العسكري الجديد؛ مطالبة بتجسيد تلك النوايا على أرض الواقع، وإشراك كل الفاعلين السياسيين في صناعة مستقبل موريتانيا. ردود الفعل الدولية
واشنطن: ندعو إلى عودة ولد الطايع
الإدارة الأمريكية تراجعت –في تصريح أخير- للناطق باسم خارجيتها عن المطالبة بعودة ولد الطايع إلى المطالبة باحترام إرادة الشعب، وعودة النظام الدستوري في أسرع وقت ، وهو ما اعتبر تحولا في موقفها السابق المندد بالانقلاب والمطالب بعودة الرئيس المخلوع للسلطة .
من جانبها أعلنت فرنسا أنها تتابع –باهتمام- الوضع السائد في موريتانيا، وهي على اتصال وثيق مع مجمل شركائها وهي تذكر بموقفها المبدئي الذي يدين أي شكل من أشكال تسلم السلطة بالقوة، وتدعو إلى احترام الديمقراطية، والإطار الدستوري الشرعي".
و ندد الاتحاد الإفريقي بالانقلاب ضد الرئيس معاوية وطالب بعودة الشرعية للبلاد ، كما اتخذ قرارا بتعليق عضوية موريتانيا في الاتحاد احتجاجا على الانقلاب العسكري .
وفي نيويورك أعلن الأمين العام للأمم المتحدة -كوفي عنان- أنه يدين أية محاولة لتغيير الحكومات في أي بلد بطريقة غير دستورية". وأضاف البيان أن عنان يؤكد أن "أية خلافات سياسية يجب حلها بوسائل سلمية، وعن طريق الممارسات الديمقراطية".
جامعة الدول العربية تلتزم الحذر
فيما لم تسهب الدول العربية الخميس في التعليق على الانقلاب في موريتانيا -منشغلة بالوضع السعودي بعد وفاة الملك فهد-أوفدت الجامعة العربية وفدا إلى موريتانيا لتدارس الوضع والاتصال بالقادة الجدد .. وتقديم تقرير للأمين العام حول التطورات السياسية التي شهدتها البلاد ..
إلا إن مصريين كانوا متجمعين في تظاهرة لحركة "كفاية" -المناوئة لبقاء الرئيس المصري حسني مبارك- هتفوا ابتهاجا بالانقلاب؛ ودعوا المصريين إلى الاقتداء بالانقلابيين في موريتانيا .. معاوية ولد الطايع يخرج عن صمته !
منذ الانقلاب عليه أصدر ولد الطايع تصريحين صحفين الأول كان لإذاعة فرنسا الدولية وقد عبر من خلاله عن تفاجئه من قيام مقربين منه بالانقلاب عليه.
أما الثاني فكان مقابلة مع قناة العربية؛ وأعلن من خلاله أنه سيعود إلى البلاد قريبا لإكمال ما اسماها مسيرة البلاد نحو غد أفضل، وقال " إنه يأمر الجيش بإعادة السلطة إليه، وأنه فوجئ بالانقلاب الذي دبرته ثلة من الضباط الذين كان من واجبهم الحفاظ على الشرعية الدستورية في البلاد " الانقلابيون: يصدرون ميثاقا ويعينون حكومة
في إحدي أهم الخطوات التي قام بها المجلس العسكري منذ مقدمه إلى السلطة وحتى الآن هي –إضافة إلى إطلاق سراح السجناء- إصدار ما سمي ب"الميثاق الدستوري" المحدد لتنظيم وسير عمل السلطات العمومية الدستورية خلال المرحلة الانتقالية.
وتضمن الميثاق 10 مواد يتعلق بعضها بالإبقاء على بنود الدستور الخاصة بالإسلام والحريات العامة والفردية وحقوق الدولة وامتيازاتها، كما يعلن الميثاق أن المجلس العسكري سيتولى السلطات التشريعية بعد حل البرلمان إضافة إلى السلطات التنفيذية.
وفي خطوة لاحقة قام رئيس المجلس العسكري بتعيين السيد سيد محمد ولد بوبكررئيسا للوزراء، وهو تكنوقراط معروف قاد أول حكومة شكلها ولد الطايع في ما سمي بالعهد الديمقراطي، كما تولى الأمانة العامة للحزب الجمهوري الحاكم في موريتانيا سابقا، وكان يشغل قبيل الانقلاب منصب سفير موريتانيا في فرنسا.
رغم كل ذلك ف"ولد بوبكر" ظل طيلة فترته مع ولد الطايع –عكس الكثير من الوزراء الآخرين- يحافظ علي احترام وتقدير المعارضة ، كما يشهد له في أوساطها بالنزاهة المالية.
ربما نتيجة لتلك السوابق فقد أثار تعيين ولد بوبكر رئيسا للوزراء جدلا داخل المجلس العسكري –كما تسربت أنباء بذلك- دفعه إلى الإعلان أنه استقال من الحزب الجمهوري قبل تعيينه، وأنه منقطع منذ فترة عن حضور اجتماعاته.
حكومة ولد بوبكر تم الانتهاء من تشكيلها وإن لم يعلن عنها رسميا لحد الآن، ويتضح من القراءة الأولية لها سياسيا من خلال عناصرها أنها تحاول المزاوجة بين المحافظة على قدر من الأسماء التقليدية؛ ربما لضمان الانتقال السلس، واستقدام شخصيات جديدة نظيفة لإضفاء مسحة التجديد والإصلاح الذي وعد به القادة الجدد.
هذا إضافة إلى بعض الرسائل الموجهة هنا وهناك لطمأنة هذا الطرف أو ذاك خارجيا وداخليا..
فتعيين أحمد ولد سيد احمد وزيرا للخارجية رسالة واضحة للأمريكيين الذين لازالوا مترددين متلعثمين بشأن تأييد القادة الجدد، وهو-أعنى الوزير- من وقع اتفاقية رفع العلاقات الديبلوماسية بين موريتانيا والكيان الصهيوني بتاريخ28/10/1999م في واشنطن.
أما تعيين السيد محفوظ ولد بتاح النقيب السابق للمحامين، وزيرا للعدل، فهو رسالة داخلية لطمأنة أكثر من جهة:
السياسيين المعارضين الذين عرفوه مدافعا قويا عنهم في ساحات المحاكم..
المحامين والحقوقيين الذين يعتبر محفوظ من أهم رموزهم طيلة العقدين الماضيين..
وستكون الأيام القادمة محكا حقيقيا لهذه الحكومة لمعرفة ما إذا كانت حكومة إصلاح وتغيير، أم أنها استمرار لنفس الوجوه والسياسات.
المصدر
http://www.islamtoday.net/albasheer/show_articles_content.cfm?id=72&catid=79&artid=6014
أمين محمد / نواكشوط 6/7/1426 - 11/08/2005
فيما يشبه "ثورة بلاط"، أو "انقلاب قصر" تمكن ضباط موريتانيون مقربون جدا من الرئيس الموريتاني السابق"معاوية ولد سيد احمد الطايع" من القيام بانقلاب مفاجئ بكل المقاييس ، سيطروا من خلاله على مقاليد السلطة دون إراقة دماء .
مفاجئ بالنسبة لولد الطايع نفسه لأنه قضي خلال فترة حكمه الطويل(21 سنة) على كل محاولات تقويض وإزالة نظامه العتيد، حتى تلك التي بدت وكأنها مدمرة وقاضية..
ثم مفاجئ بالنسبة له .. لأن الذي تولى كبرها هم أقرب المقربين له على الإطلاق..هم أهل ثقته وخاصته من بين جميع من يتحركون في دائرة التأييد والمساندة..
ثم هو مفاجئ له أيضا لأنه كان يظن أن عهد الانقلابات عليه قد ولى بعدما قدر على أهم القوى العسكرية المناهضة لنظامه(فرسان التغيير) واعتقل وحاكم قادتهم، وصفى وطرد الكثير من مؤيديهم ومناصريهم من الجيش...ثم طفق – بعدما ارتاح من أي قوة عسكرية مناوئة- يتوجه نحو أهم القوى السياسية المعارضة لحكمه (التيار الإسلامي) يقلم أظافرها،ويجفف منابعها، ويستأصل منابتها.
لكن الحدث لم يكن مفاجئا بالنسبة للكثير من المراقبين المدركين لواقع الأمور في موريتانيا؛ حيث يزداد الاحتقان السياسي يوما بعد يوم آية ذلك الاعتقالات السياسية التي لا تفتر موجة منها إلا لتثور أخرى، وبتهم ودعاوى باتت مفضوحة وممجوجة ، تلك الاعتقالات التي طالت الجميع ووزعت -لوحدها- بعدالة على الجميع، رغم أن التيار الإسلامي بات هدفها المفضل خلال السنين الأخيرة.
أما الأزمة الاقتصادية فتستفحل باطراد رغم خيرات البلد وموارده الكثيرة، وما صعود الأسعار إلى السماء، وهبوط العملة إلى أدنى الأعماق إلا شواهد بسيطة على ذلك..
ولا يبدوا من أبسط أسباب الغضب على "ولد الطايع" ونظامه ما تعرضت له هوية البلد في عهده من ضربات وطعنات عميقة مثلت العلاقات المدانة مع الصهاينة، وفرنسة التعليم، والحط من شأن اللغة العربية والتربية الإسلامية أهم مظاهرها وشواهدها..
كل تلك العوامل شكلت -وإن لم يكن "ولد الطايع" يعي ذلك- محفزات ودوافع، وفى نفس الوقت مبررات أخلاقية، وأغطية شرعية لمن يرغبون في وضع حد لنظام شعر الجميع بطول بقائه، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن الوضع في موريتانيا لا زال يشبه ما هو موجود في الكثير من الدول الإفريقية حيث العسكر ممسك بمقاليد الأمور، ولاعب أساسي في مجريات الحياة العامة..
أيا تكن الأسباب والدوافع فإن مجموعة من الضباط ذوى الرتب العالية، والمواقع الحساسة، قد تمكنت من التخطيط بدقة محكمة يترجمها –من بين أمور أخرى- اختيار التوقيت المناسب حيث كان "ولد الطايع" في سفر خارجي بهدف تقديم واجب العزاء في وفاة الملك فهد بن عبد العزيز – رحمه الله -
بدأ تنفيذ الانقلاب في الساعات الأولى من فجر الأربعاء03/08/2005 بزعامة العقيد علي محمد فال المدير العام للأمن الوطني، والعقيد محمد ولد عبد العزيز قائد الحرس الرئاسي، والعقيد عبد الرحمن ولد بوبكر القائد المساعد للجيش الوطني،والعقيد محمد ولد الشيخ احمد المعروف بولد الغزواني
وفي ساعات قليلة، ودون أي مقاومة تمكنت وحدات من الحرس الرئاسي من بسط سيطرتها المطلقة على أهم المناطق الحساسة ابتداء بقيادات الجيش والدرك والحرس، وانتهاء بمباني الإذاعة والتلفزيون. ليستيقظ الموريتانيون صباحا على تلك الأجواء التي لم يعهدوها، وظلت الأمور في غموضها، تعبث بها الشائعات وتصرفها في كل اتجاه..إلى حين انبلاج الأمور..
البيان رقم 1
واستمرت الأمور يلفها الغموض إلى حين صدور البيان رقم1 الذي جاء ليقطع الشك باليقين.
وجاء في البيان:" إن القوات المسلحة وقوات الأمن قررت -بالإجماع- وضع حد للممارسة الاستبدادية للحكم البائد التي عانى منها شعبنا خلال السنوات الأخيرة،"
ورغم صدور البيان الأول فإن الغموض ظل يضرب أكنافه حول طبيعة القادمين الجدد، إلي حين صدور البيان الثاني مساء نفس اليوم الذي حدد المجلس من خلاله طبيعة تشكلته. ردود الفعل الداخلية والخارجية
تباينت المواقف الداخلية والخارجية إزاء الانقلاب، ففي حين كان الطابع الغالب على المواقف الداخلية هو الدعم والمساندة بحذر وتحفظ أحيانا، وبحماس وإطلاق في أحيان أخرى ، في الوقت نفسه مثلت المواقف الخارجية نقيض ذلك فتراوحت مابين المتحفظ المتردد في أحسن الأحوال ، أو المعارض المطالب بعودة الرئيس السابق كما هو حال الموقف الأمريكي و كذلك موقف الاتحاد الإفريقي .
الإسلاميون يرحبون :
الإسلاميون الذين نالوا مؤخرا من ظلم وبطش النظام السابق الشيء الكثير، والذين يوجد أزيد من خمسين من قياداتهم ومنتسبيهم رهن المعتقلات وقت إعلان نجاح الانقلاب عبروا عن ترحيبهم بتغيير نظام الحكم في البلاد مشددين على "ضرورة التشاور مع كل الفاعلين السياسيين؛ من أجل وضع الترتيبات الضرورية لعودة الحياة الدستورية إلى البلاد، بشكل يصون الحريات الفردية والجماعية؛ ويؤدي إلى التئام الشمل، وطي صفحات الماضي المؤلمة، وتجنيب البلاد ويلات الاضطراب والقلاقل والفتن الداخلية".
وأكد البيان -الذي وقعته ثمان عشرة شخصية- أن ذلك "لن يتأتى إلا بوفاء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية بالعهود التي قطعها على نفسه؛ وإعطاء ضمانات جدية بإقامة مؤسسات ديمقراطية، منتخبة بشفافية تامة؛ وفتح باب الحريات الفردية والجماعية على مصراعيه أمام كل القوى السياسية؛ دون استثناء ولا إقصاء ولا تمييز.. وذلك في أجل يجب أن لا يصل الحد الأقصى للفترة الانتقالية المحددة في بيان المجلس".
وعبر الإسلاميون عن أملهم في أن تكون القيادة الجديدة عند حسن الظن؛ وأن تحدث "قطيعة مع الماضي؛ وتلبية طموحات شرائح عريضة من هذا الشعب، ظلت تنتظر الخلاص من الواقع المأساوي الذي كانت ترزح تحته".
أما اللجنة الدائمة لتكتل القوى الديمقراطية -أحد أكبر أحزاب المعارضة- فقد اعتبرت -من جهتها- أن هذا الحدث جاء "في ظرفية بالغة الخطورة، تتميز بغياب دولة القانون، ومصادرة جميع الحريات ..
مضيفة أن " تكتل القوى الديمقراطية الذي يتخذ من العدالة والديمقراطية محورين أساسيين لبرنامجه السياسي:
- يسجل باهتمام إعلان النوايا الإيجابية؛ الصادرة عن المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية.
- يؤكد استعداده للعمل مع السلطة الجديدة للبلاد، ومع جميع الإرادات الطيبة؛ من أجل الدفع بموريتانيا نحو آفاق جديدة لديمقراطية حقيقية، وإرساء نمو اقتصادي واجتماعي مستديم، من أجل استرجاع موريتانيا مكانتها العربية والإفريقية والإسلامية."-
كما عبر التحالف الشعبي التقدمي ذي التوجه القومي عن ارتياحه لإزاحة نظام ولد الطايع على الرغم من التزامه "بمبدإ التداول السلمي للسلطة؛ بعيدا عن التغيير بالطرق العنيفة وغير الديمقراطية"
أما حزب الصواب فقد عبر عن ارتياحه لنهاية حكم ولد الطايع؛ الذي وصفه بـ"الفاقد للنخوة" وعبر عن تفهمه لـ"خطوة القوات المسلحة" و يعتبرها "نتيجة منطقية لتعنت النظام المستبد، وانسداد كل أفق للتناوب السلمي على السلطة".
ووزع الحزب الجمهوري الحاكم الذي يرأسه الرئيس السابق ولد الطايع بيانا تلاه أمينه العام على الصحفيين اليوم الأول للانقلاب.. جاء فيه أنه :"فوجئ .. بأنباء المحاولة الانقلابية التي استهدفت النظام الديمقراطي والمؤسسات الدستورية". وأضاف: "إن الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي ليدين هذه المحاولة، ويؤكد أن عهد الانقلابات قد ولى، وأن المس بالنظام الديمقراطي ومؤسساته المنتخبة مرفوض."
وفى وقت لاحق عاد الحزب الجمهوري فأصدر بيانا تراجع بموجبه عن موقفه السابق، وقال في بيانه الجديد "إنه يدعم وبقوة ما أسماه برنامج الحركة التصحيحية بقيادة المجلس العسكري".
في ما عبرت بقية أحزاب وهيئات المجتمع المدني داخليا عن دعمها ومساندتها لهذا الانقلاب.
كما أصدرت المعارضة الموريتانية في الخارج بيانات عبرت فيها عن ارتياحها لزوال نظام ولد الطايع، وأيدت فيها الشعارات التي وردت في بيان المجلس العسكري الجديد؛ مطالبة بتجسيد تلك النوايا على أرض الواقع، وإشراك كل الفاعلين السياسيين في صناعة مستقبل موريتانيا. ردود الفعل الدولية
واشنطن: ندعو إلى عودة ولد الطايع
الإدارة الأمريكية تراجعت –في تصريح أخير- للناطق باسم خارجيتها عن المطالبة بعودة ولد الطايع إلى المطالبة باحترام إرادة الشعب، وعودة النظام الدستوري في أسرع وقت ، وهو ما اعتبر تحولا في موقفها السابق المندد بالانقلاب والمطالب بعودة الرئيس المخلوع للسلطة .
من جانبها أعلنت فرنسا أنها تتابع –باهتمام- الوضع السائد في موريتانيا، وهي على اتصال وثيق مع مجمل شركائها وهي تذكر بموقفها المبدئي الذي يدين أي شكل من أشكال تسلم السلطة بالقوة، وتدعو إلى احترام الديمقراطية، والإطار الدستوري الشرعي".
و ندد الاتحاد الإفريقي بالانقلاب ضد الرئيس معاوية وطالب بعودة الشرعية للبلاد ، كما اتخذ قرارا بتعليق عضوية موريتانيا في الاتحاد احتجاجا على الانقلاب العسكري .
وفي نيويورك أعلن الأمين العام للأمم المتحدة -كوفي عنان- أنه يدين أية محاولة لتغيير الحكومات في أي بلد بطريقة غير دستورية". وأضاف البيان أن عنان يؤكد أن "أية خلافات سياسية يجب حلها بوسائل سلمية، وعن طريق الممارسات الديمقراطية".
جامعة الدول العربية تلتزم الحذر
فيما لم تسهب الدول العربية الخميس في التعليق على الانقلاب في موريتانيا -منشغلة بالوضع السعودي بعد وفاة الملك فهد-أوفدت الجامعة العربية وفدا إلى موريتانيا لتدارس الوضع والاتصال بالقادة الجدد .. وتقديم تقرير للأمين العام حول التطورات السياسية التي شهدتها البلاد ..
إلا إن مصريين كانوا متجمعين في تظاهرة لحركة "كفاية" -المناوئة لبقاء الرئيس المصري حسني مبارك- هتفوا ابتهاجا بالانقلاب؛ ودعوا المصريين إلى الاقتداء بالانقلابيين في موريتانيا .. معاوية ولد الطايع يخرج عن صمته !
منذ الانقلاب عليه أصدر ولد الطايع تصريحين صحفين الأول كان لإذاعة فرنسا الدولية وقد عبر من خلاله عن تفاجئه من قيام مقربين منه بالانقلاب عليه.
أما الثاني فكان مقابلة مع قناة العربية؛ وأعلن من خلاله أنه سيعود إلى البلاد قريبا لإكمال ما اسماها مسيرة البلاد نحو غد أفضل، وقال " إنه يأمر الجيش بإعادة السلطة إليه، وأنه فوجئ بالانقلاب الذي دبرته ثلة من الضباط الذين كان من واجبهم الحفاظ على الشرعية الدستورية في البلاد " الانقلابيون: يصدرون ميثاقا ويعينون حكومة
في إحدي أهم الخطوات التي قام بها المجلس العسكري منذ مقدمه إلى السلطة وحتى الآن هي –إضافة إلى إطلاق سراح السجناء- إصدار ما سمي ب"الميثاق الدستوري" المحدد لتنظيم وسير عمل السلطات العمومية الدستورية خلال المرحلة الانتقالية.
وتضمن الميثاق 10 مواد يتعلق بعضها بالإبقاء على بنود الدستور الخاصة بالإسلام والحريات العامة والفردية وحقوق الدولة وامتيازاتها، كما يعلن الميثاق أن المجلس العسكري سيتولى السلطات التشريعية بعد حل البرلمان إضافة إلى السلطات التنفيذية.
وفي خطوة لاحقة قام رئيس المجلس العسكري بتعيين السيد سيد محمد ولد بوبكررئيسا للوزراء، وهو تكنوقراط معروف قاد أول حكومة شكلها ولد الطايع في ما سمي بالعهد الديمقراطي، كما تولى الأمانة العامة للحزب الجمهوري الحاكم في موريتانيا سابقا، وكان يشغل قبيل الانقلاب منصب سفير موريتانيا في فرنسا.
رغم كل ذلك ف"ولد بوبكر" ظل طيلة فترته مع ولد الطايع –عكس الكثير من الوزراء الآخرين- يحافظ علي احترام وتقدير المعارضة ، كما يشهد له في أوساطها بالنزاهة المالية.
ربما نتيجة لتلك السوابق فقد أثار تعيين ولد بوبكر رئيسا للوزراء جدلا داخل المجلس العسكري –كما تسربت أنباء بذلك- دفعه إلى الإعلان أنه استقال من الحزب الجمهوري قبل تعيينه، وأنه منقطع منذ فترة عن حضور اجتماعاته.
حكومة ولد بوبكر تم الانتهاء من تشكيلها وإن لم يعلن عنها رسميا لحد الآن، ويتضح من القراءة الأولية لها سياسيا من خلال عناصرها أنها تحاول المزاوجة بين المحافظة على قدر من الأسماء التقليدية؛ ربما لضمان الانتقال السلس، واستقدام شخصيات جديدة نظيفة لإضفاء مسحة التجديد والإصلاح الذي وعد به القادة الجدد.
هذا إضافة إلى بعض الرسائل الموجهة هنا وهناك لطمأنة هذا الطرف أو ذاك خارجيا وداخليا..
فتعيين أحمد ولد سيد احمد وزيرا للخارجية رسالة واضحة للأمريكيين الذين لازالوا مترددين متلعثمين بشأن تأييد القادة الجدد، وهو-أعنى الوزير- من وقع اتفاقية رفع العلاقات الديبلوماسية بين موريتانيا والكيان الصهيوني بتاريخ28/10/1999م في واشنطن.
أما تعيين السيد محفوظ ولد بتاح النقيب السابق للمحامين، وزيرا للعدل، فهو رسالة داخلية لطمأنة أكثر من جهة:
السياسيين المعارضين الذين عرفوه مدافعا قويا عنهم في ساحات المحاكم..
المحامين والحقوقيين الذين يعتبر محفوظ من أهم رموزهم طيلة العقدين الماضيين..
وستكون الأيام القادمة محكا حقيقيا لهذه الحكومة لمعرفة ما إذا كانت حكومة إصلاح وتغيير، أم أنها استمرار لنفس الوجوه والسياسات.
المصدر
http://www.islamtoday.net/albasheer/show_articles_content.cfm?id=72&catid=79&artid=6014