المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبو العلاء المعري


صالح سعيد الهنيدي
08-12-2005, 03:10 PM
أبو العلاء المعري
في صباي الباكر، حين أخذت أتلمس طريقي في أرض الشعر القديم. لم يخطر ببالي أن يقوم بيني وبين المعرّي هذا الحوار، أو تنشأ بيني وبينه هذه المودة العميقة.

لم يكن المعري في تلك المرحلة - أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات - مجهولاً أو ملعونًا كما كان من قبل. بل أصبح بفضل طه حسين اسمًا مهيبًا جليلاً مثيرًا، ورمزًا من رموز الاستنارة وحرية الفكر وشجاعة العقل وارتياد المجهول شأن الأرواح العظيمة التي ارتفعت فوق تقاليد الثقافات القومية وصارت علامات في تاريخ الحضارة وملكا للإنسانية كلها.

غير أن قراءة المعرّي في ذلك الوقت كانت -بالنسبة لي ولغيري- صعبة مرهقة. كان الناس يقرأون (مع أبي العلاء في سجنه)، ويتابعون ما يدور من جدل هادئ أو صاخب، مباشر وغير مباشر بين طه حسين، والعقاد، وأمين الخولي، ومحمد فريد وجدي، وعلي أدهم، وكامل كيلاني، ومحمد مندور، وفي الستينيات بين لويس عوض ومحمود شاكر حول شعر المعّري، وفلسفته، وعلاقتها بالفلسفات القديمة والحديثة، و(رسالة الغفران)، وثقافة المعرّي، وعقيدته، وإيمانه وإلحاده. لكن القليلين منهم أو المتخصصين هم الذين كانوا يقرأون (اللزوميات) أو (سقط الزند) أو (رسالة الغفران).

ولقد عرفت المعرّي أول ما عرفته بقليل مما كتبه هو وكثير مما كُتب عنه، فأحببت صاحب السيرة، وانفعلت بشجاعة عقله وكبريائه، وتواضعه، وإبائه، وتمرده، وصلابة خلقه. ولم أجد في نفسي آنذاك حاجة قوية لقراءة شعره.

كنت أحفظ في ذلك الوقت من قصيدة (العلائي)* في الذكرى الألفية للمعرّي أكثر مما أحفظ من شعر صاحب الذكرى الذي لم يكن متاحا لي منه إلا مختارات قليلة من (سقط الزند)، وهو شعره الذي قاله في صباه، فهو لا يخلو من صناعة ظاهرة، وغرام بالغريب، وتهالك على المحسنات، وإن لم يخْلُ أيضا من تحف رائعة، منها مرثيته الشهيرة للفقيه الحنفي التي مطلعها (غير مُجْدٍ في ملّتي واعتقادي.. نَوحُ باكٍ ولا ترنم شاد) وكنت أعرف بالطبع أن شعره في اللزوميات أفضل بكثير، لأنه ثمرة نضج الشخصية وإدراكها لذاتها وامتلاكها لأدواتها، وكنت أقرأ ما أجده من (اللزوميات) في الصحف والمؤلفات المكتوبة عنه، لكني كنت آنذاك مستغرقًا في قراءة الرومانتيكيين والمجددين متعصبًا لهم، فضلا عن بعض الجاهليين الذين اعتقدت آنذاك أنني أستغني بهم عن الكثيرين ممن جاءوا بعدهم، فلم يغرني من شعراء العصور التالية إلا بعض المتصوّفة وبعض العشاق والمُجّان. وظل هذا موقفي إلى أواسط الستينيات حين نشر لويس عوض سلسلة مقالاته (على هامش الغفران) في (الأهرام) فاشتعلت بينه وبين المحقق محمود شاكر معركة عنيفة جدا تصارع فيها العقل مع النقل، وتاريخ الفكر مع فقه النصوص، وخلال متابعتي لهذا الصراع استكملت مقتنياتي من آثار أبي العلاء وانكببت على قراءتها، بادئًا بنسخة صلاح عبد الصبور من (اللزوميات).

أذكر قصيدة من سبعة أبيات كانت مدخلي إلى قراءة اللزوميات. مطلعها هكذا

(تقواك زاد فـــــاعتقد أنــــه أفضـل مـا أودعتـه فـي السـقاء).
وقد أحببت هذه القصيدة بعمق، وصرت أرويها وأتغنى بأبياتها حتى التفت لها عبد الوهاب البياتي، فاستوحاها لزومية من بحرها السريع وقافيتها الهمزية الساكنة مع القاف، يقول في مطلعها (حزنٌ بلا صوتٍ، وقيثارةٌ / أرهَفَها قبل الأوان الشقاءْ). وقد جعلت همزية المعرّي ضمن مختارات من الشعر القديم والحديث قدمتها للقارئ مع تعليقات تساعده على قراءتها وتذوقها في كتاب سميته (في مملكة الشعر).

والمعرّي بالنسبة لي شاعر قبل أي صفة أخرى. لكنه شاعر فريد لم يتكرر في الشعر العربي، فليس شعره من نسيج الذاكرة الجامعة الحافظة وتلفيقاتها، وإنما هو خيال شجاع محلق مغامر يمزق الصمت، ويطرق الأبواب، ويطرح الأسئلة الرهيبة، أسئلة الشاعر الملهوف المثقف المعذب بالتجربة الباحث عن الجواب.

الشاعر كما تمثل في المعرّي كان عند الكثيرين طارئًا غريبًا على الشعر العربي، أو كان مفكرًا يستخدم الشعر، أكثر من كونه شاعرًا يعيش الشعر بكل كيانه وجوارحه، أو لا يعيش إلا الشعر، فليس له شغل، ولا لغة، ولا متعة، ولا نسب، ولا قضية، ولا التزام إلا الشعر.

والمعرّي هو أحمد بن عبد الله بن سليمان. ولد في معرّة النعمان في شمال سوريا سنة ثلاث وستين وثلاثمائة هجرية (973 ميلادية) وفي الرابعة من عمره أصيب بالجدري وفقد بصره. درس على أبيه الذي مات وهو في الرابعة عشرة من عمره، فرحل إلى حلب حيث كانت الحركة الثقافية التي ازدهرت في ظل سيف الدولة لاتزال نشيطة، ومن حلب إلى أنطاكية، وكانت لاتزال تدافع عما بقي لها من تراثها البيزنطي، ومن أنطاكية توجّه إلى طرابلس الشام، ومرّ باللاذقية فأخذ عن بعض الرهبان ما وجده عندهم من علوم اليونان وآرائهم الفلسفية.

في عام 398 هجرية رحل إلى بغداد حيث مكث عامين عاد بعدهما إلى معرّه النعمان ليجد أمه قد لحقت بأبيه فاعتزل الناس إلاّ خاصة طلاّبه وخادمه الذي كان يتقاسم معه دخله السنوي وهو ثلاثون دينارًا كان يستحقها من وقف. ورحل المعري سنة تسع وأربعين وأربعمائة هجرية.

لم يبق من مؤلفاته إلاّ (سقْط الزند)، و(اللزوميّات)، و(رسالة الغفران)، وعدد من الرسائل الصغيرة.

أحمد عبد المعطي حجازي

المصدر
http://thaqafa.sakhr.com/ketab/pages.asp?Lnk=almareey/a001.xml

بنت بجيلة
08-12-2005, 06:53 PM
تشكر أخ صالح على هذه المعلومات ولكن عندي سؤال من تفضل شعر أبو العلاء المعري أم شعر المتنبي وأيهما أجمل ولماذا ...............دمت شاعرا متألقا

صالح سعيد الهنيدي
08-12-2005, 08:26 PM
أختي بنت بجيلة ..
أشكر لك عطاءك الثر ..
بالنسبة للمقارنة بين المعري والمتنبي فأظن أن كلَّ واحد منهما يبحر في مجاله .. فأبو العلاء المعري أبدع في التحليلات النفسية .. وفي دقائق النفس البشرية .. أما المتنبي فقد برز في مجال صياغة الحكمة وأظن أنه أبرع شاعر حكمة على مر العصور .. والشريف الرضي قد يأتي في مرتبة بعد المتنبي ..
وأستطيع القول أن المتنبي لولا حكمته في شعره لما ذاع صيته بهذه الصورة ..
وبالمناسبة فقد أصدر الأديب الكبير محمود شاكر -رحمه الله - كتابين عن أبي العلاء المعري ( أباطيل وأسمار ) وعن المتنبي ( المتنبي ) .

أخوك
صالح الهنيدي