المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الورشة النقدية : قراءة نقدية في قصيدة ( محاورة بطول النهر ) للشاعر حاتم الكاتب


د. مصطفى عطية جمعة
06-28-2008, 01:12 AM
قراءة نقدية في قصيدة : محاورة بطول النهر للشاعر حاتم الكاتب :
النهر والإنسان : ثنائية التلازم الحضاري والنفسي والشعري
د. مصطفى عطية جمعة
في المجتمعات الحضارية الكبرى ، التي تكونت في أحضان الأنهار مثل حضارة ما بين النهرين في العراق وحضارتي الهند والصين ، وبلاد ما ماوراء النهر ، حيث تبدو علاقة الإنسان بالنهر علاقة شديدة العمق فهو مصدر الخير والنماء والحياة، لذا كان المصريون القدماء ينتقون أجمل الفتيات ويلقونها في النهر ، ظنا منها أنها قربان للنيل حتى يهبهم المزيد من الماء والخير .
وفي هذا النص ، نجد العنوان المعبر ، فالشاعر من العنوان يهيئ المتلقي إلى طبيعة العلاقة بينه وبين النهر ، ولأن الشاعر مصري ، فإن هذه العلاقة تؤطر ضمن نهر النيل وكما قال المؤرخ اليوناني قديما : مصر هبة النيل ، ويمكن بالطبع أن تتسع في الدلالة المكانية والزمانية والحضارية لتشمل كل حضارة نهرية في العالم . وهنا نجد العلاقة تتجاوز علاقة النهر بالأرض والإنسان ، علاقة الشاعر والنهر ، لتكون علاقة نفسية حيث نرى تبدلات النفس الشعرية وتقلباتها الانفعالية مع النهر والأرض ، وأيضا علاقة مصاحبة مكانية من المنبع النهري إلى المصب ، وعلاقة حضارية تمتد في أعماق التاريخ الذي نحمله على ظهورنا ، ويُحمّلنا بأعبائه الممثلة في إعادة مجد حضارتنا .
ولنعرض النص أولا ، ومن ثم تكون القراءة النقدية :
النص :
ما عادت تحلق فوق أوراقى الطيور
ما زلت فرخاً بامتداد النهر يرجف
والقارب الخشبى عند الضفة الأخرى يأن من السكون
محاورة بطول النهر للشاعر حاتم الكاتب


نهرٌ أشاركه المنابع
نمضى سوياً نبدر الوادى زهوراً من أمل
ونخوض معترك الطريق الصعب من بدء التوحد
ترسو على وجه الصخور الأمنيات
ونخط فى قلب الخرائط بلدةً ولدت على أيدى الصباح
نهرٌ أشاركه السكينة
همس الليالى المقمرات ورقة الحلم البرىء
قلبٌ تهدهده النسائم
والنجم يغفو فوق رأسى
والوقت طيرٌ يبتعد
ويغوص فى قلب الأفق
وأنا أغيب
نهرٌ أشاركه الغضب
خطواتنا متصادمة
وقلوبنا دوامةٌ للانفجار
جسدٌ تمزقه الرياح
ويدان ممسكتان بالشاطئ
وحطام أشجارٍ ينادى فى استماتة
لكننا لم نستمع
نهرٌ أشاركه السقوط
أشلائنا امتزجت واللون غاب من الوجوه
ما عدت أعرفنى
ما عدت أعرفه
وتشابكت كل الخيوط
نهرٌ أشاركه الظمأ
الأرض عطشى تنكفئ
والأغنيات الخاويات على الضفاف تمددت
جسدٌ تغطيه الحجارة
ماذا سيجدى الرجم أو يجدى السكوت
نهرٌ يشاركنى الشرود
نهرٌ أشاركه الأرق
غصنان ملتفان ..بعضٌ من وجوم
أوراقنا جفت
والوجه معتلٌ يذوب مع ارتحال الشمس ..فى لون الغسق
نهرٌ يشاركنى التشتت
نهرٌ أشاركه الغرق
أترى سيصمد بابنا فى وجه دقات العواصف
أم أننا عند المصب سنفترق

القراءة النقدية :
إننا أمام نص يقيم علاقة مباشرة مع النهر ، ويتجاوز فيها المفهوم والدلالة التقليدية للنهر وهي الخير والنماء والفيضان إلى دلالات المصاحبة والملازمة في كافة أحوال الإنسان وهذه العلاقة تتخذ أبعادا نفسية معبرة عن تقلبات النفس الشاعرة ، وقلقها ، وأيضا عن تجذر الانتماء إلى الأرض المصرية التي كان النيل هبة لها ، إنها قصيدة التلازم والثنائية والتلاقي وأيضا التحاور والأنسنة للنهر . فالشاعر يقول منذ المطلع :
نهرٌ أشاركه المنابع
نمضى سوياً نبدر الوادى زهوراً من أمل
ونخوض معترك الطريق الصعب من بدء التوحد

هذه علاقة مؤنسنة ، فالشاعر والنهر متلازمان من المنبع إلى المصب ، وهو تلازم يبدر الورود ، ويحيي الأمل ، ويواجه الصعاب ، فالنهر يعبر عن العلاقة الأبدية بين المصري / الشاعر ، ونهر النيل الذي يضرب في أعماق وجداننا مكانيا وزمانيا ، ويضرب في تربتنا زرعا وغرسا ، فالقصيدة تعبر عن تعمق النهر في أعماق المصري ، ويأتي الشاعر معبرا عن هذا التعمق الحضاري ثم يزيده إبداعا وشعرا وتألقا ، فهل يمكن أن نتخيل الإنسان المصري دون النيل ، أو نتخيل النيل دون المصري الذي عاش على ضفافه ، وصنع من مائه حضارة كانت منها أولى الإبجديات في العالم ، ومن ثم تدوين العلوم ، وتطويرها ، فالنيل سبب في جذب الإنسان المصري من هيامه في الصحراء إلى الاستقرار على ضفاف النهر ، ليعايش النهر في انخفاضه وفيضانه : معايشة المحب الوله الممتن .
كما يظهر التلازم والتحاور في قول شاعرنا :
نهرٌ أشاركه السكينة
همس الليالى المقمرات ورقة الحلم البرىء
قلبٌ تهدهده النسائم
والنجم يغفو فوق رأسى

هنا تلازم السكينة والتأمل ، لتتحول الدلالة إلى دلالة مصادقة الإنسان للنهر ، ورغم بساطة التعبير ( الليالي المقمرات ) وتكراريته ، فهو يقف عند المستوى الدلالي الأولي ، ولكنه معبر عن أبرز علاقة السكينة بين المصري والنيل حيث السهر والليالي والقمر والحلم البسيط للإنسان المصري البسيط ، إنه حلم الاستقرار والأمان والرضا بالقليل .
وتزداد العلاقة أيضا حيث تبدو واضحة في علاقة الشرود التي تصيب شاعرنا، ليكون النص هنا معبرا عن منحنيات النفس البشرية ما بين حب وقلق وسكينة وشرود ، فيقول :
ماذا سيجدى الرجم أو يجدى السكوت
نهرٌ يشاركنى الشرود
نهرٌ أشاركه الأرق
غصنان ملتفان ..بعضٌ من وجوم

وتأتي دلالة الغصنان ، لتكون رمزا للثنائية النصية : بين الشاعر والنهر ، والمصري والنيل ، وقد رأينا هنا الشرود من الشاعر والأرق من النهر ، وكلاهما وجهان للزيغ ، وأيضا دلالتان على غربة الإنسان عن وطنه ، وغضب النهر من أرضه التي كوّنها على امتداد آلاف السنين ، وهذا وجه غير مباشر لحال مصر وشعبها في زماننا .
وهذا أيضا ما يمهد لخاتمة النص ، حيث يبدو التلازم الثنائي في قول الشاعر :
نهرٌ يشاركنى التشتت
نهرٌ أشاركه الغرق
أترى سيصمد بابنا فى وجه دقات العواصف
أم أننا عند المصب سنفترق

فالتشتت معبر عن عمق الأزمة التي يعانيها المصري ، وهي تعادل فقدان الهوية والانتماء للأرض والنهر ، بفعل قوى الاستبداد ، ويكون التلاصق فيما يقدمه النهر وهو الغرق ، ليصبح النهر سببا للموت ومكانا للقبر مثلما هو مصدر نماء وخير ، ويكون السؤال عن الافتراق عند المصب ، ليدهشنا هذا التلازم ما بين المكان من المنبع إلى المصب ، وما بين النفس في تقلباتها وفكرها وهدوئها وتشتتها وقلقها .
إنها قصيدة معبرة عن ثنائية المكان والنهر والإنسان في مصر ، ويحاول الشاعر هنا أن يقدم بنية نصية ترتكز على أحد عناصر المكان ( النيل ) في علاقة مؤنسنة ، انطلقت من العنوان الذي حمل محاورة ، وانتهى بنا إلى تلازم يصعب معه الافتراق .

أشرف دسوقي علي
06-30-2008, 03:40 PM
النص الشعري المطروح , نص بسيط, وواضح , لم يدع الشاعر من خلاله غير ذلك , ولم يعمد الي المعاني الثواني ,أو البنية العميقة للنص , واكتفي بالبنية السطحية التي تؤدي المعاني الاولي باقتدار ويسر , وان كان الشاعر يتناسي مهمته الاولي التي نذر نفسه لها من بداية النص , فيسعي النص ذاته الي محاولة تمرد علي الشاعر الذي أخذ عهدا علي نفسه بتقييد النص وتبسيطه , فيشرد النص كجواد جامح عقب الصورتين البسيطتين" نهر يشاركني الشرود_____نهر أشاركه الغرق
فاذا بالنص يحاول تجاوز براءته, ليقول " غصنان ملتفان ...بعض من وجوم, النص نص حسابي 1+1=2, تجربة ليست ضد الشاعر , لكنها ليست معه تماما ,,,,,,,,,,,,,تحياتي ومودتي

هناء المهنا
07-01-2008, 01:43 AM
جميل هذا النص فهو يرتبط ارتابط مباشر بالنهر بكل مايتأمل منه من امنيات ويضع عنده من هموم نص راقي ورائع تحياتي لكم وودي

أ. ناهد حسن
07-01-2008, 04:16 AM
أراه نصاً رائعاً ومعبراً عن التمازج والتقارب العاطفي
في الغضب والهدوء والشرود والتشتت وغير ذلك
مما يعمق الصلة والارتباط النفسي والروحي بين الشاعر
والنيل الذي يرمز للأرض الوطن
نص بديع وجميل

د. عبدالله حسين كراز
07-01-2008, 05:47 PM
رغم عدم معرفتي الشخصية والقريبة بالأخ الكاتب أو بنصوصه إلا أننى أرى أن النص معتمَد بشاعريته وثيماته وفكرته وتداخلاته الموضوعية والذاتية، ولا أرى فيه عيباً من حيث اللغة والتعبير والبنية والتراكيب والشاعرية...
سأمر عليه إن شاء الله بقراءة متأنية


تحياتي

د. عبدالله حسين كراز

د. مصطفى عطية جمعة
07-02-2008, 12:40 AM
النص الشعري المطروح , نص بسيط, وواضح , لم يدع الشاعر من خلاله غير ذلك , ولم يعمد الي المعاني الثواني ,أو البنية العميقة للنص , واكتفي بالبنية السطحية التي تؤدي المعاني الاولي باقتدار ويسر , وان كان الشاعر يتناسي مهمته الاولي التي نذر نفسه لها من بداية النص , فيسعي النص ذاته الي محاولة تمرد علي الشاعر الذي أخذ عهدا علي نفسه بتقييد النص وتبسيطه , فيشرد النص كجواد جامح عقب الصورتين البسيطتين" نهر يشاركني الشرود_____نهر أشاركه الغرق
فاذا بالنص يحاول تجاوز براءته, ليقول " غصنان ملتفان ...بعض من وجوم, النص نص حسابي 1+1=2, تجربة ليست ضد الشاعر , لكنها ليست معه تماما ,,,,,,,,,,,,,تحياتي ومودتي

المبدع العزيز / أشرف
تحياتي إليك وتقديري
شكرا لك على هذا الحضور ، وإن كنت أختلف معك في أن النص يحتوي على بنية سطحية ، فليست القضية قضية صور ورموز وتراكيب ، وإنما رؤية شاملة في النص ، يتم صهر النص من خلالها .
شكرا لك
وأهلا بحوارك دائما
د. مصطفى

د. مصطفى عطية جمعة
07-02-2008, 12:42 AM
جميل هذا النص فهو يرتبط ارتابط مباشر بالنهر بكل مايتأمل منه من امنيات ويضع عنده من هموم نص راقي ورائع تحياتي لكم وودي

الأخت العزيزة / هناء
تعليقك الموجز دال على تعمقك في النص والقراءة
شكرا لك
وأهلا بك دائما

د. مصطفى عطية جمعة
07-02-2008, 12:44 AM
رغم عدم معرفتي الشخصية والقريبة بالأخ الكاتب أو بنصوصه إلا أننى أرى أن النص معتمَد بشاعريته وثيماته وفكرته وتداخلاته الموضوعية والذاتية، ولا أرى فيه عيباً من حيث اللغة والتعبير والبنية والتراكيب والشاعرية...
سأمر عليه إن شاء الله بقراءة متأنية


تحياتي

د. عبدالله حسين كراز


أخي الحبيب / د. عبد الله كراز
مرورك يسعدنا دوما
ويسعدنا تعليقك أكثر
فنحن في شوق إليك وإلى تعليقاتك
شكرا لك

لميس الامام
07-02-2008, 02:13 PM
الدكتور الرائع مصطفى عطية
الاخ الاستاذ صالح الهنيدي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اشكرك واشكر الاخ الفاضل صالح الهنيدي على اتاحة هذه الفرصة لي بعد طول غياب عن المرافئ لظروف صحية حتمية
ومن خلال دعوتكم للغوص في عمق قصيدة نهر الشاعر الجميل حاتم الكاتب..اسمحولي بهذه المشاركة قراءة وابحارا في مضمون القصيدة :


قراءة نقدية في قصيدة : محاورة بطول النهر للشاعر حاتم الكاتب :
النهر والإنسان : ثنائية التلازم الحضاري والنفسي والشعري



ما عادت تحلق فوق أوراقى الطيور
ما زلت فرخاً بامتداد النهر يرجف
والقارب الخشبى عند الضفة الأخرى يأن من السكون
بمحاورة بطول النهر للشاعر حاتم الكات

************************************************** **********

مقدمة القصيدة هنا هي نقطة البداية في وقوف الشاعر على ملامح صورته النفسية التي يواجه بها نفسه والنهر بلا تكلف والتي عكست بشكل واضح وحددت ملامح محاورته لنهر أغرق فيه نفسه ليطوف من بعد الغرق باتجاه الضفاف...وهي مرحلة الابداع الحي الذي يعتمد على المعاناة الحقيقية والتجربة الصادقة ما جعنلنا نستشف فنه وخياله ، خلقه..ودواخل نفسه..


ابدأ قولي بأني اتفق مع من يقول أن لكل عمل نوعا من المبررات والدوافع التي تسوق اليه/ ومبررات العمل الادبي وداوفعه لا يمكن ان تكون كما يقول الجماليون هي القيم الجمالية الشكلية وحدها..بل لا بد من التزام جانب موضوعي انساني اجتماعي بل وسياسي ايضا .. يدور حوله الفن الادبي لابداعي...
وهذا الجانب الموضوعي كان ولا يزال مثار اهتمام من قبل الاخلاقيين والنفسيين والاجتماعيين على السواء، إذ اتفق هولا جميعا على ضرورة وجود مجموعة من القيم الانسانية تبرر شروع الأديب في عمله..و القيم هي في ذاتها مجال من اهم مجالات التقويم الصحيح لكل عمل ادبي....
والى جانب هذه القيم الانسانية لا بد من وجود عناصر الجمال الشكلي التي تقرر التحاق الادب بمجموعة الفنون الجميلة اذ لا مفك من الاعتراف بالشكل الادبي على انه وسيلة مهمة من وسائل الايحاء والتأثير على المتلقي ، فالمضمون لم يعد في ذاته حقيقة فنية جميلة تكفل وحدها نجاح العمل الادبي إذ لا بد من توفر الجانب الفني في التعبير حيث ان في هذا الجمال قوة ذاتية تعمل عملها في النفس الانسانية عن طريق الايحاء والاديب كما يقول اساتذة النقد هو الوسيلة الفذه لمضاعفة الحياة واكمالها وتطهير ازماتها ، لتصبح عظمة العمل الادبي متجلية في روعة التعبير عن الواقع في تجلية القيم الخيرة امام الوعي البشري..

يأخدنا الشاعر في هذه المحاورة في تجربة شعرية نموذجية من الشعر الحديث نجد انها تتنوع وتتعدد حسبما تتمدد وتتنوع لحظات الاستغراق فيها في بناء ،يقدم لنا الوجه الطيبعي لعلاقة الانهر بتلك الشرايين التي تحيي جسد الارض من حولها ، بالانسان ، وما يعتريها من من معاني الرضا والرفض، الالم والسعادة والشقاء ..من خلال روافد الشعور الذاتي ..

من هذا المنطلق يمر الشاعر حاتم الكاتب بمراحل نفسية حيث ترسو فيها الاماني وتتحول فيها عنده الى طوفان من المشاعر يجعلنا نتعاطف معه في جميع حالاته الشعورية من خلال ذاته سعيدا كان ام شقيا ، راضيا ام ساخطا ; معولا في هذا كله على صدق اللحظه التي يعيشها وعلى روعة التعبير وقدرته على استلاب الانتباه عند المتلقي..
والشاعر حينما رسم خريطة الحوار مع نهر اخاله توأم روحه لصبغه ذات الروح بصبغة تجمعهما في هدأة الليل
بصور جعل منها قاسم مشترك بينهما وكأنهما روح في جسدين ..تتعانق الاجساد لتمضي الروح بنا في منطق لعواطف الهادئة تارة والثائرة الغاضبة تارة اخري..وتزداد هذه المواقف حدة ووضوحا كلما عادت الرؤية تنجلي
عندما تنقلب الصورة مما كانا عليه وما انجلت عنه الحقيقة الواقعة فترتفع في الايضاح فوق خواء الاماني وخداعها فيتمخض الامل عن نزاع النهر والانسان بكل المعاني بما يتجاوز معابر العيون وهذا من اجل ان تظهر الفوارق ما بين ما كان وما اصبح عليه كليهما..

انها قضية حملها الشاعر باقتدار شكل منها صورة من اروع صور الصدق بفن مفهوم بتعابير جملية مضمونها الاصالة والحيوية والجودة لحياتين حملتا بين ضفافيهما صور من الماضي التليد وحاضر يأبى الا ان تنفصل الاجساد لتبقى الروح تجمع مصيريهما المحتوم في حاضر يقطعهما اشلائا وأياد تتمسك بحبل النجاة الملقى على الضفاف حيث ما عادت الضفاف ضفاف وما عادت الضفاف تزهر وانتهى التوحد بينهما على الرغم من استغاثة الضفاف ورحيل الهدأة ببدء العواصف وبدء الشتات... ولكنها مشيئة الاقدار وعزوف الاماني


شكرا للدكتور مصطفى عطية وللاخ الفاضل صالح الهنيدي وللشاعر الكبير حاتم الكاتب..

لميس الامام

د. مصطفى عطية جمعة
07-02-2008, 07:12 PM
الدكتور الرائع مصطفى عطية
الاخ الاستاذ صالح الهنيدي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اشكرك واشكر الاخ الفاضل صالح الهنيدي على اتاحة هذه الفرصة لي بعد طول غياب عن المرافئ لظروف صحية حتمية
ومن خلال دعوتكم للغوص في عمق قصيدة نهر الشاعر الجميل حاتم الكاتب..اسمحولي بهذه المشاركة قراءة وابحارا في مضمون القصيدة :


قراءة نقدية في قصيدة : محاورة بطول النهر للشاعر حاتم الكاتب :
النهر والإنسان : ثنائية التلازم الحضاري والنفسي والشعري



ما عادت تحلق فوق أوراقى الطيور
ما زلت فرخاً بامتداد النهر يرجف
والقارب الخشبى عند الضفة الأخرى يأن من السكون
بمحاورة بطول النهر للشاعر حاتم الكات

************************************************** **********

مقدمة القصيدة هنا هي نقطة البداية في وقوف الشاعر على ملامح صورته النفسية التي يواجه بها نفسه والنهر بلا تكلف والتي عكست بشكل واضح وحددت ملامح محاورته لنهر أغرق فيه نفسه ليطوف من بعد الغرق باتجاه الضفاف...وهي مرحلة الابداع الحي الذي يعتمد على المعاناة الحقيقية والتجربة الصادقة ما جعنلنا نستشف فنه وخياله ، خلقه..ودواخل نفسه..


ابدأ قولي بأني اتفق مع من يقول أن لكل عمل نوعا من المبررات والدوافع التي تسوق اليه/ ومبررات العمل الادبي وداوفعه لا يمكن ان تكون كما يقول الجماليون هي القيم الجمالية الشكلية وحدها..بل لا بد من التزام جانب موضوعي انساني اجتماعي بل وسياسي ايضا .. يدور حوله الفن الادبي لابداعي...
وهذا الجانب الموضوعي كان ولا يزال مثار اهتمام من قبل الاخلاقيين والنفسيين والاجتماعيين على السواء، إذ اتفق هولا جميعا على ضرورة وجود مجموعة من القيم الانسانية تبرر شروع الأديب في عمله..و القيم هي في ذاتها مجال من اهم مجالات التقويم الصحيح لكل عمل ادبي....
والى جانب هذه القيم الانسانية لا بد من وجود عناصر الجمال الشكلي التي تقرر التحاق الادب بمجموعة الفنون الجميلة اذ لا مفك من الاعتراف بالشكل الادبي على انه وسيلة مهمة من وسائل الايحاء والتأثير على المتلقي ، فالمضمون لم يعد في ذاته حقيقة فنية جميلة تكفل وحدها نجاح العمل الادبي إذ لا بد من توفر الجانب الفني في التعبير حيث ان في هذا الجمال قوة ذاتية تعمل عملها في النفس الانسانية عن طريق الايحاء والاديب كما يقول اساتذة النقد هو الوسيلة الفذه لمضاعفة الحياة واكمالها وتطهير ازماتها ، لتصبح عظمة العمل الادبي متجلية في روعة التعبير عن الواقع في تجلية القيم الخيرة امام الوعي البشري..

يأخدنا الشاعر في هذه المحاورة في تجربة شعرية نموذجية من الشعر الحديث نجد انها تتنوع وتتعدد حسبما تتمدد وتتنوع لحظات الاستغراق فيها في بناء ،يقدم لنا الوجه الطيبعي لعلاقة الانهر بتلك الشرايين التي تحيي جسد الارض من حولها ، بالانسان ، وما يعتريها من من معاني الرضا والرفض، الالم والسعادة والشقاء ..من خلال روافد الشعور الذاتي ..

من هذا المنطلق يمر الشاعر حاتم الكاتب بمراحل نفسية حيث ترسو فيها الاماني وتتحول فيها عنده الى طوفان من المشاعر يجعلنا نتعاطف معه في جميع حالاته الشعورية من خلال ذاته سعيدا كان ام شقيا ، راضيا ام ساخطا ; معولا في هذا كله على صدق اللحظه التي يعيشها وعلى روعة التعبير وقدرته على استلاب الانتباه عند المتلقي..
والشاعر حينما رسم خريطة الحوار مع نهر اخاله توأم روحه لصبغه ذات الروح بصبغة تجمعهما في هدأة الليل
بصور جعل منها قاسم مشترك بينهما وكأنهما روح في جسدين ..تتعانق الاجساد لتمضي الروح بنا في منطق لعواطف الهادئة تارة والثائرة الغاضبة تارة اخري..وتزداد هذه المواقف حدة ووضوحا كلما عادت الرؤية تنجلي
عندما تنقلب الصورة مما كانا عليه وما انجلت عنه الحقيقة الواقعة فترتفع في الايضاح فوق خواء الاماني وخداعها فيتمخض الامل عن نزاع النهر والانسان بكل المعاني بما يتجاوز معابر العيون وهذا من اجل ان تظهر الفوارق ما بين ما كان وما اصبح عليه كليهما..

انها قضية حملها الشاعر باقتدار شكل منها صورة من اروع صور الصدق بفن مفهوم بتعابير جملية مضمونها الاصالة والحيوية والجودة لحياتين حملتا بين ضفافيهما صور من الماضي التليد وحاضر يأبى الا ان تنفصل الاجساد لتبقى الروح تجمع مصيريهما المحتوم في حاضر يقطعهما اشلائا وأياد تتمسك بحبل النجاة الملقى على الضفاف حيث ما عادت الضفاف ضفاف وما عادت الضفاف تزهر وانتهى التوحد بينهما على الرغم من استغاثة الضفاف ورحيل الهدأة ببدء العواصف وبدء الشتات... ولكنها مشيئة الاقدار وعزوف الاماني


شكرا للدكتور مصطفى عطية وللاخ الفاضل صالح الهنيدي وللشاعر الكبير حاتم الكاتب..

لميس الامام

الأخت العزيزة والناقدة الموهوبة / لميس الإمام
تحياتي إليك
عودا كريما
وحمدا لله على سلامتك
وندعو الله بالخير لك دائما
قراءتك مميزة ، وغصت في الأعماق النفسية للنص ، وكانت قراءتك نموذجا في الفهم النصي ، والقدرة على سبر أغوار الكلمات .
نتمنى المزيد من العطاء
وتقبلي فائق محبتي وتقديري إليك
أخوك
د. مصطفى عطية

محمد الغامدي
07-02-2008, 07:31 PM
أولا أشكركم لإتاحة مساحة الجمال هذه
حتى نغوص في نهر شاعرنا الجميل
حاتم الكاتب

لا أتفق مع الأستاذ الكريم
أشرف دسوقي في كون النص
سطحياً حيث يحمل معاني العمق
بعمق النهر الذي يحاوره

نهرٌ أشاركه السقوط
أشلائنا امتزجت واللون غاب من الوجوه
ما عدت أعرفنى
ما عدت أعرفه
وتشابكت كل الخيوط
نهرٌ أشاركه الظمأ
الأرض عطشى تنكفئ
والأغنيات الخاويات على الضفاف تمددت
جسدٌ تغطيه الحجارة
ماذا سيجدى الرجم أو يجدى السكوت
نهرٌ يشاركنى الشرود
نهرٌ أشاركه الأرق

الامتزاج بالطبيعة ومشاركتها أحزانها
وأفراحها والانصهار في أجزاء هذا الكون
هو تعبير جمالي جنح إليه كثير من المبدعين
هروباً من واقع مؤلم وحياة أسيفة

شكراً للجميع

الأستاذ العزيز / محمد الغامدي
تحياتي إليك
شكرا لك هذه المداخلة
وأقدر رأيك الكريم
تحياتي

خالد السلمان
07-02-2008, 09:57 PM
نص ممتع واختيار موفق دكتور مصطفى
شكراً لك

حاتم الكاتب
07-03-2008, 01:53 AM
فقط أود أن اعيد النص حيث كانت هناك كلمة ناقصة من مقدمة القصيدة
شكرا للدكتور مصطفى جمعه على طرحه النص للمناقشة و على تحليله و قرائته للنص و الشكر لكل من ساهم فى هذه المناقشة
شكرا للجميع على كل ما قالوه على القصيدة و إنه ليسعدنى أن انضم لهذه النخبة من المبدعين لنتفاعل و نتشارك شكرا مرة أخرى


اليوم ما عادت تحلق فوق أوراقى الطيور
ما زلت فرخاً بامتداد النهر يرجف
والقارب الخشبى عند الضفة الأخرى يئن من السكون

محاورة بطول النهر


نهرٌ أشاركه المنابع
نمضى سوياً نبدر الوادى زهوراً من أمل
ونخوض معترك الطريق الصعب من بدء التوحد
ترسو على وجه الصخور الأمنيات
فنخط فى قلب الخرائط بلدةً ولدت على أيدى الصباح
نهرٌ أشاركه السكينة
همس الليالى المقمرات ورقة الحلم البرىء
قلبٌ تهدهده النسائم
والنجم يغفو فوق رأسى
والوقت طيرٌ يبتعد
ويغوص فى قلب الأفق
وأنا أغيب
نهرٌ أشاركه الغضب
خطواتنا متصادمة
وقلوبنا دوامةٌ للانفجار
جسدٌ تمزقه الرياح
ويدان ممسكتان بالشاطئ
وحطام أشجارٍ ينادى فى استماتة
لكننا لم نستمع
نهرٌ أشاركه السقوط
أشلائنا امتزجت واللون غاب من الوجوه
ما عدت أعرفنى
ما عدت أعرفه
وتشابكت كل الخيوط
نهرٌ أشاركه الظمأ
الأرض عطشى تنكفئ
والأغنيات الخاويات على الضفاف تمددت
جسدٌ تغطيه الحجارة
ماذا سيجدى الرجم أو يجدى السكوت
نهرٌ يشاركنى الشرود
نهرٌ أشاركه الأرق
غصنان ملتفان ..بعضٌ من وجوم
أوراقنا جفت
والوجه معتلٌ يذوب مع ارتحال الشمس ..فى لون الغسق
نهرٌ يشاركنى التشتت
نهرٌ أشاركه الغرق
أترى سيصمد بابنا فى وجه دقات العواصف
أم أننا عند المصب سنفترق

عبد الغفور السعيد
07-03-2008, 06:01 PM
أعتقد أن الشاعر وفق إلى حد كبير
في اختيار الألفاظ المناسبة للحالة النفسية التي
يعيشها في كل مقطع من مقاطع النص


قلبٌ تهدهده النسائم
والنجم يغفو فوق رأسى
والوقت طيرٌ يبتعد
ويغوص فى قلب الأفق
وأنا أغيب

هنا رقة مشاعر ألفاظ عذبة ومعاني رقيقة
تناسب مقام الهدوء العاطفي


نهرٌ أشاركه الغضب
خطواتنا متصادمة
وقلوبنا دوامةٌ للانفجار
جسدٌ تمزقه الرياح
ويدان ممسكتان بالشاطئ
وحطام أشجارٍ ينادى فى استماتة
لكننا لم نستمع

هنا قوة معاني وجزالة ألفاظ
تناسب مقام الغضب والتصادم

د. مصطفى عطية جمعة
07-05-2008, 03:22 AM
نص ممتع واختيار موفق دكتور مصطفى
شكراً لك

أخي خالد السلمان
دائما تسعدنا بحضورك وبهاك
تحياتي وتقديري

د. مصطفى عطية جمعة
07-05-2008, 03:24 AM
فقط أود أن اعيد النص حيث كانت هناك كلمة ناقصة من مقدمة القصيدة
شكرا للدكتور مصطفى جمعه على طرحه النص للمناقشة و على تحليله و قرائته للنص و الشكر لكل من ساهم فى هذه المناقشة
شكرا للجميع على كل ما قالوه على القصيدة و إنه ليسعدنى أن انضم لهذه النخبة من المبدعين لنتفاعل و نتشارك شكرا مرة أخرى


اليوم ما عادت تحلق فوق أوراقى الطيور
ما زلت فرخاً بامتداد النهر يرجف
والقارب الخشبى عند الضفة الأخرى يئن من السكون

محاورة بطول النهر


نهرٌ أشاركه المنابع
نمضى سوياً نبدر الوادى زهوراً من أمل
ونخوض معترك الطريق الصعب من بدء التوحد
ترسو على وجه الصخور الأمنيات
فنخط فى قلب الخرائط بلدةً ولدت على أيدى الصباح
نهرٌ أشاركه السكينة
همس الليالى المقمرات ورقة الحلم البرىء
قلبٌ تهدهده النسائم
والنجم يغفو فوق رأسى
والوقت طيرٌ يبتعد
ويغوص فى قلب الأفق
وأنا أغيب
نهرٌ أشاركه الغضب
خطواتنا متصادمة
وقلوبنا دوامةٌ للانفجار
جسدٌ تمزقه الرياح
ويدان ممسكتان بالشاطئ
وحطام أشجارٍ ينادى فى استماتة
لكننا لم نستمع
نهرٌ أشاركه السقوط
أشلائنا امتزجت واللون غاب من الوجوه
ما عدت أعرفنى
ما عدت أعرفه
وتشابكت كل الخيوط
نهرٌ أشاركه الظمأ
الأرض عطشى تنكفئ
والأغنيات الخاويات على الضفاف تمددت
جسدٌ تغطيه الحجارة
ماذا سيجدى الرجم أو يجدى السكوت
نهرٌ يشاركنى الشرود
نهرٌ أشاركه الأرق
غصنان ملتفان ..بعضٌ من وجوم
أوراقنا جفت
والوجه معتلٌ يذوب مع ارتحال الشمس ..فى لون الغسق
نهرٌ يشاركنى التشتت
نهرٌ أشاركه الغرق
أترى سيصمد بابنا فى وجه دقات العواصف
أم أننا عند المصب سنفترق


أرحب فائق الترحيب بالشاعر الجميل / حاتم الكاتب
وجميل أن نتعرف عليه إبداعيا ، والأجمل أن يكون معنا في المرافئ
تحياتي وتقديري إليه
د. مصطفى عطية جمعة

د. مصطفى عطية جمعة
07-05-2008, 03:29 AM
أعتقد أن الشاعر وفق إلى حد كبير
في اختيار الألفاظ المناسبة للحالة النفسية التي
يعيشها في كل مقطع من مقاطع النص


قلبٌ تهدهده النسائم
والنجم يغفو فوق رأسى
والوقت طيرٌ يبتعد
ويغوص فى قلب الأفق
وأنا أغيب

هنا رقة مشاعر ألفاظ عذبة ومعاني رقيقة
تناسب مقام الهدوء العاطفي


نهرٌ أشاركه الغضب
خطواتنا متصادمة
وقلوبنا دوامةٌ للانفجار
جسدٌ تمزقه الرياح
ويدان ممسكتان بالشاطئ
وحطام أشجارٍ ينادى فى استماتة
لكننا لم نستمع

هنا قوة معاني وجزالة ألفاظ
تناسب مقام الغضب والتصادم

الأخ العزيز / عبد الغفور
تحياتي إليك
شكرا لهذا النقاش الثري المعبر عن عمق ثقافتك النقدية
تقبل فائق تقديري
د. مصطفى

سهول
07-06-2008, 11:26 AM
ارتباطية النص بالمعنى يرسم مدا واسعا وعميقا
لكم ودي وقبلاتي

أشرف دسوقي علي
07-07-2008, 05:46 PM
عزيزي الدكتور مصطفي تحية طيبة وبعد, البنية السطحية ليست سبة ولا تعيب الشاعر في شئ ولا تقلل من النص , لكن تضيف اليه البني الاعمق أبعادا وأعماقا فتميز شاعرا عن اخر, فتميز قصيدة لأمل دنقل علي سبيل المثال أو قديما للمتنبي , يتأتي سر تميزها في عدة جوانب تسلم كلها الي هذه المرحلة , وكون الشاعر يمارس تجربته ولم ينته منها فهو لازال أمامه الوقت لفعل ذلك , ا اذا كانت له رؤية أخري , وتقبل وافر تحياتي

خالد السلمان
07-07-2008, 06:40 PM
شكراً لهذا الطرح المميز في مرافئ الوجدان
وأعتقد أنه لا يوجد منتدى أدبي يعنى بالنصوص
كمرافئ الوجدان شكراً د. مصطفى

د. مصطفى عطية جمعة
07-10-2008, 01:49 PM
ارتباطية النص بالمعنى يرسم مدا واسعا وعميقا
لكم ودي وقبلاتي



الأخت سهول
تحياتي إليك وتقديري
شكرا لك على هذا التواصل
ونتمنى المزيد والمزيد
د. مصطفى

د. عبدالله حسين كراز
07-11-2008, 02:00 AM
وتلبيةً لنداء أخي دكتور مصطفى للإسهام في ورشته النقدية وتنفيذاً لعهدٍ سابق ها أنا اعود في قراءة متواضعة لنص يحمل فيض المشاعر والأحاسيس والصور.

النص

محاورة بطول النهر

نهرٌ أشاركه المنابع
نمضى سوياً نبدر الوادى زهوراً من أمل
ونخوض معترك الطريق الصعب من بدء التوحد
ترسو على وجه الصخور الأمنيات
فنخط فى قلب الخرائط بلدةً ولدت على أيدى الصباح
نهرٌ أشاركه السكينة
همس الليالى المقمرات ورقة الحلم البرىء
قلبٌ تهدهده النسائم
والنجم يغفو فوق رأسى
والوقت طيرٌ يبتعد
ويغوص فى قلب الأفق
وأنا أغيب
نهرٌ أشاركه الغضب
خطواتنا متصادمة
وقلوبنا دوامةٌ للانفجار
جسدٌ تمزقه الرياح
ويدان ممسكتان بالشاطئ
وحطام أشجارٍ ينادى فى استماتة
لكننا لم نستمع
نهرٌ أشاركه السقوط
أشلائنا امتزجت واللون غاب من الوجوه
ما عدت أعرفنى
ما عدت أعرفه
وتشابكت كل الخيوط
نهرٌ أشاركه الظمأ
الأرض عطشى تنكفئ
والأغنيات الخاويات على الضفاف تمددت
جسدٌ تغطيه الحجارة
ماذا سيجدى الرجم أو يجدى السكوت
نهرٌ يشاركنى الشرود
نهرٌ أشاركه الأرق
غصنان ملتفان ..بعضٌ من وجوم
أوراقنا جفت
والوجه معتلٌ يذوب مع ارتحال الشمس ..فى لون الغسق
نهرٌ يشاركنى التشتت
نهرٌ أشاركه الغرق
أترى سيصمد بابنا فى وجه دقات العواصف
أم أننا عند المصب سنفترق ...


القراءة
توافق الدال والمدلول في "محاورة بطول النهر"
للشاعر حاتم الكاتب


من نظرة أولى و بدلالة العنوان وتجاور مفردات الحوار والطول والنهر، ندرك أننا أمام لوحة نصية ذات سياق يخضع لعملية محبوكة في عالم الشاعر الشعوري والحسي والطبيعي المتكئ على واقعية تتداخل فيها كل قوى الطبيعة المرئية والمسموعة والمحسوسة. وهنا دلالات الحوار الشعري المعقود بنيّة وقصد لتؤكد للمتلقي الدافعية التي حثت الشاعر أن يتكلم ويعبّر ويصور ويستنطق عالمه الطبيعي مع النهر بطوله غير المحدد، وهو ما يعني فتح حوار طويل مع النهر على امتداد جغرافيته وطقوسه و تلافيف شكله ومظهره وما فيه وما عليه.

هو نص يستنطق الطبيعة بما فيها وما عليها، لتأخذ أبعادها الرمزية والرومانسية والطبيعية وتولد الأحاسيس من قلب الأخيلة التي يثيره فضاء النص وتراكيبه وبنيته وصيغ التعبير بما تحمله من دلالات وإيحاءات، تخلق حالة من التوحد مع الطبيعة وقواها الظاهرة والخفية، وهو ما يدعونا للتفكير بالبعد الميتافيزيقي الذي يتسيد جزءاً ملحوظاً من مساحة البوح الشاعري في نص تغلب عليه الواقعية أيضاً. فالصور مستحضرة من واقعٍ يحياه الشاعر ويمارسه بكل وعي - ويختمر في لحظات متشظية في العقل الباطن والخفي. ثم الترميز المتواصل عبر لوحات النص تدل بوضوح على البعد الميتافيزيقي والاستبطاني الذي تولده صور "الطيور" و "امتداد النهر" و "القارب الخشبي" والحوار المطول مع النهر نفسه، في حوار مونولوجي خارجي يستلهمه الشاعر من وقفات ذاتية تخضع لعوامل التجربة الشخصية التي تمخضت عنها العلاقة الحميمية بين الشاعر ووعيه والطبيعة وأشيائها.

وفي قراءة خاطفة للسطر الأول تكون العلاقة بين الشاعر والطبيعة متمثلة في النهر قد وطدت معالمها وأسسها منذ حين وزمان حدده الشاعر سلفاً. وهنا يستكمل معنا عالمه الرومانسي المرتبط حميمياً بعالمه الطبيعي، وكأننا نقرأ أن الشاعر اعتاد أن تحلق فوق أوراقه الخضراء الطيور – أي طيور – وينعم بحسها وإحساسها ورومانسيتها ودلالاتها وانفعالاتها ومظهرها وما تحمله من تأثير على نفسية الشاعر – اوقناعه – وحالته الوجدانية وباطنه المتشظي حيث،

ما عادت تحلق فوق أوراقي الطيور
ما زلت فرخاً بامتداد النهر يرجف
والقارب الخشبي عند الضفة الأخرى يئن من السكون

وهو ما يحمل نبرة الشاعر الذاتية والخاصة التي جبلها في صوره وتراكيب نصه بإدراك الفنان العارف لقوى الطبيعة وأسرارها ومدلولاتها ورمزيتها. فالشاعر يوظف أوراق الطبيعة الحيوية والحية التي لم يصبها الجفاف من قبل، وما يحصل الآن في - التحول الطبيعي – هو ظاهرة لا تروق للشاعر، حيث أن الطيور جانبته ولم تعد تحوم فوق بيته أو نوافذه أو شجر بيته، تحول ينعكس على الباطن الجواني لدى الشاعر ويحمل إرهاصات غير محتملة وغير متخيلة ولا يمكن للشاعر أن يستوعبها بسهولة ما دام يشعر أنه "فرخاً بامتداد النهر يرجف" بمعنى أنه ما زال طري العظم و محدود الخبرة والتجربة مقارنة مع النهر بدلالة المكان والزمان. وما التشخيص في "القارب الخشبي ... يئن من السكون" وجعل القارب أنساناً يسقط عليه قدرات البشر إلا دلالة واضحة على رغبة الشاعر في خلق حالة من الأنسنة مع الطبيعة وأشيائها ونهرها وضفتها الأخرى، ليبدد وحدته ويحد من صراعه الخارجي مع الطبيعة والداخلي الجواني مع النفس الباطنية!
ودلالة الرغبة في التماهي مع النهر ومنابعه التي لا تنفد هو تجاور حالة النهر وصورته الملونة بالينابيع في كل مكان:

نهرٌ أشاركه المنابع
لماذا يرغب الشاعر في أن يخلق حالة من التوحد مع النهر كي يمضي:

"سوياً نبدر الوادي زهوراً من أمل،" وهو دلالة أخرى على مدى ارتباط – أو تولد ارتباط حميمي بين الشاعر والطبيعة - النهر وما يحمله من دلالات أحداها الماء الذي يحول الجفاف لاخضرار ونماء ويبدد خريف المشاعر بربيع الأحاسيس، الباعث على الأمل الذي تولده زهور الوادي وبذوره.

ثم يواصل الشاعر خطابه الرومانسي مع الطبيعية ونهرها، ولكن بنبرة تنم عن تحول آخر في الباطن الشاعرة، حيث "الطريق الصعب من بدء التوحد،" وهو ما يدل على وعي الشاعر بوجود خلل ما في عملية إعادة العلاقة مع الطبيعة ونهرها أو قل إحيائها. فالشاعر يرغب ويحلم بقوةِ أحاسيسهِ أن يجد الخلاص والنجدة التي تنقذه من "معترك الطريق،" كي:

ترسو على وجه الصخور الأمنيات

وهذا واضح ومباشر وصريح وبلا غموض، بمعنى أن الشاعر يؤكد لنا أنه مستعد أن يبقى زمناً بجانب النهر وصخوره يحفر أمنياته التي لا بد وان تتحقق، وهو ما يوحي بقوة عزيمته ووعيه في القادم من الحياة ويبين سقف توقعاته التي تحدها الصخور، فقط لترسو قارب الأمنيات العاشقة على "وجه الصخور."

ولا يكتفي الشاعر - ومن يتماهى معه – بهذه العلمية المضنية للجسد والمشاعر، بل يتعدى حدود المكان والزمان، مبيناً تفاؤله في تجسيد العلاقة مع الطبيعة وقواها وأشيائها، لهذا يقول بصوت أكثر وضوحاً وقوةً ووعياً:

ونخط في قلب الخرائط بلدةً ولدت على أيدي الصباح

ولنقف عند تخوم هذه التفاصيل التصويرية والتعبيرية، حيث نحن الآن في "قلب الخرائط" التي يرسم فيها "بلدة" مولودة في قلب الصباح وعلى يديه. الصورة كلها مستنطقة ومفعلة، ويحرص الشاعر فيها على أنسنة الخرائط من ناحية والصباح من ناحية أخرى بغرض التماهي والتوحد وخلق حالة من الرفقة والصحبة الواقعية التي لا إنس حقيقي فيها، وكأن الشاعر قد مل العلاقات مع البشر من جنسه ولونه!

وفي تحول دراماتيكي آخر في مشاعر الذات الإنسانية – أو قناعها هنا - يصر الشاعر على صورة النهر الذي يطول الحديث معه، كما السكينة التي يرغب في الحصول عليها لحالة تخضع وعي الشاعر وخياله، وهي حالة السكينة، لنعلم أننا في عالم الضجيج والصخب والتلوث السمعي والطبيعي الذي ترك آثاره على الشاعر ونفسيته وعالمه الوجداني والحسي، لهذا يعبر بصورة مباشرة ويقول:

نهرٌ أشاركه السكينة

ثم يتحول صوت الخطاب الشعري والشعوري في فضاء النصف الثاني من النص، وتصبح حالة الهمس – وهي أقل من حالات كان بود الشاعر أن يحققها ويحصل عليها دون معتركات – هي مطلب يمثل الحد الأدنى من مطالبه الحسية والنفسية، ولكنه الهمس المتولد من "الليالي المقمرات ورقة الحلم البريء."
ويحلم الشاعر باستمرار في أن يكون له قلب إنساني متولد من تراب الطبيعة ومجبول بماء النهر الذي ما زال الحوار قائماً معه، حيث "تهدهده النسائم" و حينها تصبح الحالة أكثر رومانسيةً وحلماً وتوقعاً، بحيث يكون للنجم نصيب "يغفو فوق رأسي،" وهي حالة أخرى من الرغبة الأكيدة في الوحدة والعزلة والسكون بعيداً عن ضجيج البشر والمدينة وناسها، وكأننا نعيش مع الشاعر حالة في مدينة كونية مكتظة بالبشر والعربات وصاخبة جداً وملوثةً جداً ولدت الحالة الاستفزازية لدى الشاعر ومن في مكانه.

وفي غمار التحولات والانزياحات والتجاورات التي يوظفها الشاعر في النص، وبإيحاء من باطنه الجواني وامتثالاً لرؤيته الحالمة، يصبح "الوقت" – من حالة معنوية ومفاهيمية مجردة - في عرف الشاعر وحلمه وكونه (طيراً) يبتعد، ويتجسد – وهو ضمن إطار أسطوري يبنيه الشاعر في عالمه المتخيل والمرغوب – ويتمنى الشاعر أن "يغوص في قلب الأفق" كما يتبعه هو في "وأنا أغيب. " ربما رغبة في الخلاص من حالة التشظي المتسيدة لعالمه الدنيوي والواقعي واليومي.

ويأتي التحول التالي من صورة النهر، في حالة السكون التي تصبح حالة الغضب بصحبة النهر ذاته، ويصبح حدود العلاقة بينه وبين النهر تصادمية أكثر لدرجة الانفجار:

نهرٌ أشاركه الغضب
خطواتنا متصادمة
وقلوبنا دوامةٌ للانفجار

ووفق رؤية الشاعر وعافية خياله وتصويراته واستنهاضاً أو تجسيداً لحالة التشظي والقلق والحيرة والاغتراب النفسي والوجداني، يصبح الجسد – أهو جسد النهر أم جسد الشاعر أو قناعه – ممزقاً بفعل الرياح التي تمثل إحدى قوى الطبيعة التي تولد العنف والدمار بدلالة التعبير المستحضر هنا:

جسدٌ تمزقه الرياح

ولكننا سرعان من ندرك أن الشاعر يتكلم بصيغة الأنا المتشظية التي أغرقها الشاعر بالضعف والاستسلام والتقصير، بحيث تصبح يداه (ممسكتين بالشاطئ) وهي حالة تشبه بمن يتعلق بقشة لينجو ينفسه من غرق محتمل أو أكيد! والرياح لدى الشاعر تم تشخيصها لتقوي فكرة الصراع على البقاء والنجاة، وتشكل أحد أهم معوقات الشاعر في البحث عن مخارج أخرى أو حلول أكيدة لحالته المكسورة. لذا نرى الشاعر يستحضر صورةً أخرى تقوي الموقف السلبي هذا حين يقول أنه بلا حول ولا قوة، في:

وحطام أشجارٍ ينادى في استماتة
لكننا لم نستمع

وفي ظل التحولات الخطابية المنبثقة من الصراع الباطني تارةً ومن الصراع الخارجي تارةً أخرى، يتجه النص/الشاعر إلى وصف الحالة والعلاقة مع النهر بأنها علاقة تصادمية وتؤدي إلى "السقوط،" وهو ما يعني إما أن الشاعر/قناعه كان في مأمن ومستقر وحدث خلل ما أدى لتعرضه والنهر لحالة الانهيار – وهو ما يعني أيضاًَ على سر العلاقة الحميمية بين الإنسان والطبيعة/النهر – وما يصيب الطبيعة أو الإنسان يصيب الآخر – والمبادرة هنا للشاعر الذي يتماهى مع الطبيعة في أحلك صورها وطقوسها:

نهرٌ أشاركه السقوط
أشلائنا امتزجت واللون غاب من الوجوه

وانعكاساً لحالة التخبط والتيه والوله ومزيد تشظي واغتراب حد الضياع، وحالة مترابطة بسلسلة متينة من التداعيات من التوهان وعدم اليقين في تحديد معركة المصير الشخصي والإنساني، يخبرنا الشاعر بذلك بوضوح ودون لبس أو مراوغة وغموض، ويقول:

ما عدت أعرفني ما عدت أعرفه
وتشابكت كل الخيوط

ثم البعد الدال على اليأس والقلق والحيرة والضياع والمتجدد من الحالة ذاتها وطقوس التماهي والتوحد مع الطبيعة وأشيائها وقواها، ودلالةً على جفاف الصبر ونفاذه، وجفاف الإيمان بالنفس والخالق – كمخلص أوحد لكل ابتلاءات الإنسان – وانتفاء قيمة التحدي لدى إنسان العصر الحديث، تصبح المشاركة العملية مع الطبيعة هنا في حالة "الظمأ" الذي يحرم الأرض والإنسان الماء الروحي والبلسم الشافي لصراعاته مع النفس والعالم الخارجي:

نهرٌ أشاركه الظمأ
الأرض عطشى تنكفئ
والأغنيات الخاويات على الضفاف تمددت
جسدٌ تغطيه الحجارة

وحينما يصر الشاعر على طرح سؤاله الموضوعي في:

ماذا سيجدي الرجم أو يجدي السكوت

ندرك إذاً استنتاجاً طبيعياً من لدن الشاعر، حين لا يبدو في الأفق فرصة في النجاة والخلاص، فعنده الصخب والسكون سيان لا فرق بينهما ما دامت الحالة لا تتغير ولا تتبدل سوى للأسوأ، وهي حالة تتسيدها النبرة الإنسانية المتجددة بالهم الكوني واليومي والحياتي. وكل ما يأتي به الشاعر من صور للرجم والسكوت في تقنية التشخيص أو الشخصنة والتجسيد لدال آخر على عمق ماساته وأزمته وورطته في الحياة، مثله مثل أي إنسان تتولد لديه عناصر المسؤولية عن الهم والقلق والحيرة، وتصبح على عاتقه مسؤولية موازية للتخلص من تلك الأزمات وآثارها القريبة والبعيدة.

ويكمل الشاعر بوحه الشاعري والمتشظي، والمبادرة تتحول الآن للنهر الذي يصبح نهراً "يشاركني الشرود" و "الأرق" ويصبح التشابه / التشبيه سيد الموقف الشعوري والتعبيري، حين يقول الشاعر:

غصنان ملتفان .. بعضٌ من وجوم
أوراقنا جفت
والوجه معتلٌ يذوب مع ارتحال الشمس ..في لون الغسق
نهرٌ يشاركني التشتت

وتعود المبادرة للشاعر وتعكس حالة التشظي والتوهان المطلق، فيقول:

نهرٌ أشاركه الغرق
كحالة قصوى للخلاص وتدل على يأس مدقع ومستدام ومتجذر ، ثم

أترى سيصمد بابنا في وجه دقات العواصف

وهو سؤال يوحي بالشك وعدم اليقين في انعدام المقدرة على الصبر والتحدي والجلد، وكأننا نقرأ أن الشاعر يستسلم أمام قوى الطبيعة كلها، فرادى أو جماعات. و "أم أننا عند المصب سنفترق،" لنستوعب الحالة ذاتها والمرة والمريرة، وفيها شِبهُ توافق بين النهر/الطبيعة والشاعر.

إذاً، تتجلى أبعاد عديدة ومتداخلة في النص فمنها البعد الرومانسي، والدلالي، والرمزي، والإشاري والمبطن، والطبيعي، والواقعي، ما يسمح بتداخل التأويلات والقراءات ضمن مجموعة قرائية استيعابية مبنية على فرضيات النقد الاستيعابي أو المتداخل التأويلات. ومل يلفت نظر المتلقين هو قدرة الشاعر على التكثيف التصويري والأدائي في عرض مشكلته التي أصبحت إنسانية، تنطق نيابةً عن أي إنسان يتعرض للمواقف ذاتها والتجربة ذاتها.


تحياتي ومودتي

د. عبد الله حسين كراز

د. مصطفى عطية جمعة
07-11-2008, 11:26 AM
وتلبيةً لنداء أخي دكتور مصطفى للإسهام في ورشته النقدية وتنفيذاً لعهدٍ سابق ها أنا اعود في قراءة متواضعة لنص يحمل فيض المشاعر والأحاسيس والصور.

النص

محاورة بطول النهر

نهرٌ أشاركه المنابع
نمضى سوياً نبدر الوادى زهوراً من أمل
ونخوض معترك الطريق الصعب من بدء التوحد
ترسو على وجه الصخور الأمنيات
فنخط فى قلب الخرائط بلدةً ولدت على أيدى الصباح
نهرٌ أشاركه السكينة
همس الليالى المقمرات ورقة الحلم البرىء
قلبٌ تهدهده النسائم
والنجم يغفو فوق رأسى
والوقت طيرٌ يبتعد
ويغوص فى قلب الأفق
وأنا أغيب
نهرٌ أشاركه الغضب
خطواتنا متصادمة
وقلوبنا دوامةٌ للانفجار
جسدٌ تمزقه الرياح
ويدان ممسكتان بالشاطئ
وحطام أشجارٍ ينادى فى استماتة
لكننا لم نستمع
نهرٌ أشاركه السقوط
أشلائنا امتزجت واللون غاب من الوجوه
ما عدت أعرفنى
ما عدت أعرفه
وتشابكت كل الخيوط
نهرٌ أشاركه الظمأ
الأرض عطشى تنكفئ
والأغنيات الخاويات على الضفاف تمددت
جسدٌ تغطيه الحجارة
ماذا سيجدى الرجم أو يجدى السكوت
نهرٌ يشاركنى الشرود
نهرٌ أشاركه الأرق
غصنان ملتفان ..بعضٌ من وجوم
أوراقنا جفت
والوجه معتلٌ يذوب مع ارتحال الشمس ..فى لون الغسق
نهرٌ يشاركنى التشتت
نهرٌ أشاركه الغرق
أترى سيصمد بابنا فى وجه دقات العواصف
أم أننا عند المصب سنفترق ...


القراءة
توافق الدال والمدلول في "محاورة بطول النهر"
للشاعر حاتم الكاتب


من نظرة أولى و بدلالة العنوان وتجاور مفردات الحوار والطول والنهر، ندرك أننا أمام لوحة نصية ذات سياق يخضع لعملية محبوكة في عالم الشاعر الشعوري والحسي والطبيعي المتكئ على واقعية تتداخل فيها كل قوى الطبيعة المرئية والمسموعة والمحسوسة. وهنا دلالات الحوار الشعري المعقود بنيّة وقصد لتؤكد للمتلقي الدافعية التي حثت الشاعر أن يتكلم ويعبّر ويصور ويستنطق عالمه الطبيعي مع النهر بطوله غير المحدد، وهو ما يعني فتح حوار طويل مع النهر على امتداد جغرافيته وطقوسه و تلافيف شكله ومظهره وما فيه وما عليه.

هو نص يستنطق الطبيعة بما فيها وما عليها، لتأخذ أبعادها الرمزية والرومانسية والطبيعية وتولد الأحاسيس من قلب الأخيلة التي يثيره فضاء النص وتراكيبه وبنيته وصيغ التعبير بما تحمله من دلالات وإيحاءات، تخلق حالة من التوحد مع الطبيعة وقواها الظاهرة والخفية، وهو ما يدعونا للتفكير بالبعد الميتافيزيقي الذي يتسيد جزءاً ملحوظاً من مساحة البوح الشاعري في نص تغلب عليه الواقعية أيضاً. فالصور مستحضرة من واقعٍ يحياه الشاعر ويمارسه بكل وعي - ويختمر في لحظات متشظية في العقل الباطن والخفي. ثم الترميز المتواصل عبر لوحات النص تدل بوضوح على البعد الميتافيزيقي والاستبطاني الذي تولده صور "الطيور" و "امتداد النهر" و "القارب الخشبي" والحوار المطول مع النهر نفسه، في حوار مونولوجي خارجي يستلهمه الشاعر من وقفات ذاتية تخضع لعوامل التجربة الشخصية التي تمخضت عنها العلاقة الحميمية بين الشاعر ووعيه والطبيعة وأشيائها.

وفي قراءة خاطفة للسطر الأول تكون العلاقة بين الشاعر والطبيعة متمثلة في النهر قد وطدت معالمها وأسسها منذ حين وزمان حدده الشاعر سلفاً. وهنا يستكمل معنا عالمه الرومانسي المرتبط حميمياً بعالمه الطبيعي، وكأننا نقرأ أن الشاعر اعتاد أن تحلق فوق أوراقه الخضراء الطيور – أي طيور – وينعم بحسها وإحساسها ورومانسيتها ودلالاتها وانفعالاتها ومظهرها وما تحمله من تأثير على نفسية الشاعر – اوقناعه – وحالته الوجدانية وباطنه المتشظي حيث،

ما عادت تحلق فوق أوراقي الطيور
ما زلت فرخاً بامتداد النهر يرجف
والقارب الخشبي عند الضفة الأخرى يئن من السكون

وهو ما يحمل نبرة الشاعر الذاتية والخاصة التي جبلها في صوره وتراكيب نصه بإدراك الفنان العارف لقوى الطبيعة وأسرارها ومدلولاتها ورمزيتها. فالشاعر يوظف أوراق الطبيعة الحيوية والحية التي لم يصبها الجفاف من قبل، وما يحصل الآن في - التحول الطبيعي – هو ظاهرة لا تروق للشاعر، حيث أن الطيور جانبته ولم تعد تحوم فوق بيته أو نوافذه أو شجر بيته، تحول ينعكس على الباطن الجواني لدى الشاعر ويحمل إرهاصات غير محتملة وغير متخيلة ولا يمكن للشاعر أن يستوعبها بسهولة ما دام يشعر أنه "فرخاً بامتداد النهر يرجف" بمعنى أنه ما زال طري العظم و محدود الخبرة والتجربة مقارنة مع النهر بدلالة المكان والزمان. وما التشخيص في "القارب الخشبي ... يئن من السكون" وجعل القارب أنساناً يسقط عليه قدرات البشر إلا دلالة واضحة على رغبة الشاعر في خلق حالة من الأنسنة مع الطبيعة وأشيائها ونهرها وضفتها الأخرى، ليبدد وحدته ويحد من صراعه الخارجي مع الطبيعة والداخلي الجواني مع النفس الباطنية!
ودلالة الرغبة في التماهي مع النهر ومنابعه التي لا تنفد هو تجاور حالة النهر وصورته الملونة بالينابيع في كل مكان:

نهرٌ أشاركه المنابع
لماذا يرغب الشاعر في أن يخلق حالة من التوحد مع النهر كي يمضي:

"سوياً نبدر الوادي زهوراً من أمل،" وهو دلالة أخرى على مدى ارتباط – أو تولد ارتباط حميمي بين الشاعر والطبيعة - النهر وما يحمله من دلالات أحداها الماء الذي يحول الجفاف لاخضرار ونماء ويبدد خريف المشاعر بربيع الأحاسيس، الباعث على الأمل الذي تولده زهور الوادي وبذوره.

ثم يواصل الشاعر خطابه الرومانسي مع الطبيعية ونهرها، ولكن بنبرة تنم عن تحول آخر في الباطن الشاعرة، حيث "الطريق الصعب من بدء التوحد،" وهو ما يدل على وعي الشاعر بوجود خلل ما في عملية إعادة العلاقة مع الطبيعة ونهرها أو قل إحيائها. فالشاعر يرغب ويحلم بقوةِ أحاسيسهِ أن يجد الخلاص والنجدة التي تنقذه من "معترك الطريق،" كي:

ترسو على وجه الصخور الأمنيات

وهذا واضح ومباشر وصريح وبلا غموض، بمعنى أن الشاعر يؤكد لنا أنه مستعد أن يبقى زمناً بجانب النهر وصخوره يحفر أمنياته التي لا بد وان تتحقق، وهو ما يوحي بقوة عزيمته ووعيه في القادم من الحياة ويبين سقف توقعاته التي تحدها الصخور، فقط لترسو قارب الأمنيات العاشقة على "وجه الصخور."

ولا يكتفي الشاعر - ومن يتماهى معه – بهذه العلمية المضنية للجسد والمشاعر، بل يتعدى حدود المكان والزمان، مبيناً تفاؤله في تجسيد العلاقة مع الطبيعة وقواها وأشيائها، لهذا يقول بصوت أكثر وضوحاً وقوةً ووعياً:

ونخط في قلب الخرائط بلدةً ولدت على أيدي الصباح

ولنقف عند تخوم هذه التفاصيل التصويرية والتعبيرية، حيث نحن الآن في "قلب الخرائط" التي يرسم فيها "بلدة" مولودة في قلب الصباح وعلى يديه. الصورة كلها مستنطقة ومفعلة، ويحرص الشاعر فيها على أنسنة الخرائط من ناحية والصباح من ناحية أخرى بغرض التماهي والتوحد وخلق حالة من الرفقة والصحبة الواقعية التي لا إنس حقيقي فيها، وكأن الشاعر قد مل العلاقات مع البشر من جنسه ولونه!

وفي تحول دراماتيكي آخر في مشاعر الذات الإنسانية – أو قناعها هنا - يصر الشاعر على صورة النهر الذي يطول الحديث معه، كما السكينة التي يرغب في الحصول عليها لحالة تخضع وعي الشاعر وخياله، وهي حالة السكينة، لنعلم أننا في عالم الضجيج والصخب والتلوث السمعي والطبيعي الذي ترك آثاره على الشاعر ونفسيته وعالمه الوجداني والحسي، لهذا يعبر بصورة مباشرة ويقول:

نهرٌ أشاركه السكينة

ثم يتحول صوت الخطاب الشعري والشعوري في فضاء النصف الثاني من النص، وتصبح حالة الهمس – وهي أقل من حالات كان بود الشاعر أن يحققها ويحصل عليها دون معتركات – هي مطلب يمثل الحد الأدنى من مطالبه الحسية والنفسية، ولكنه الهمس المتولد من "الليالي المقمرات ورقة الحلم البريء."
ويحلم الشاعر باستمرار في أن يكون له قلب إنساني متولد من تراب الطبيعة ومجبول بماء النهر الذي ما زال الحوار قائماً معه، حيث "تهدهده النسائم" و حينها تصبح الحالة أكثر رومانسيةً وحلماً وتوقعاً، بحيث يكون للنجم نصيب "يغفو فوق رأسي،" وهي حالة أخرى من الرغبة الأكيدة في الوحدة والعزلة والسكون بعيداً عن ضجيج البشر والمدينة وناسها، وكأننا نعيش مع الشاعر حالة في مدينة كونية مكتظة بالبشر والعربات وصاخبة جداً وملوثةً جداً ولدت الحالة الاستفزازية لدى الشاعر ومن في مكانه.

وفي غمار التحولات والانزياحات والتجاورات التي يوظفها الشاعر في النص، وبإيحاء من باطنه الجواني وامتثالاً لرؤيته الحالمة، يصبح "الوقت" – من حالة معنوية ومفاهيمية مجردة - في عرف الشاعر وحلمه وكونه (طيراً) يبتعد، ويتجسد – وهو ضمن إطار أسطوري يبنيه الشاعر في عالمه المتخيل والمرغوب – ويتمنى الشاعر أن "يغوص في قلب الأفق" كما يتبعه هو في "وأنا أغيب. " ربما رغبة في الخلاص من حالة التشظي المتسيدة لعالمه الدنيوي والواقعي واليومي.

ويأتي التحول التالي من صورة النهر، في حالة السكون التي تصبح حالة الغضب بصحبة النهر ذاته، ويصبح حدود العلاقة بينه وبين النهر تصادمية أكثر لدرجة الانفجار:

نهرٌ أشاركه الغضب
خطواتنا متصادمة
وقلوبنا دوامةٌ للانفجار

ووفق رؤية الشاعر وعافية خياله وتصويراته واستنهاضاً أو تجسيداً لحالة التشظي والقلق والحيرة والاغتراب النفسي والوجداني، يصبح الجسد – أهو جسد النهر أم جسد الشاعر أو قناعه – ممزقاً بفعل الرياح التي تمثل إحدى قوى الطبيعة التي تولد العنف والدمار بدلالة التعبير المستحضر هنا:

جسدٌ تمزقه الرياح

ولكننا سرعان من ندرك أن الشاعر يتكلم بصيغة الأنا المتشظية التي أغرقها الشاعر بالضعف والاستسلام والتقصير، بحيث تصبح يداه (ممسكتين بالشاطئ) وهي حالة تشبه بمن يتعلق بقشة لينجو ينفسه من غرق محتمل أو أكيد! والرياح لدى الشاعر تم تشخيصها لتقوي فكرة الصراع على البقاء والنجاة، وتشكل أحد أهم معوقات الشاعر في البحث عن مخارج أخرى أو حلول أكيدة لحالته المكسورة. لذا نرى الشاعر يستحضر صورةً أخرى تقوي الموقف السلبي هذا حين يقول أنه بلا حول ولا قوة، في:

وحطام أشجارٍ ينادى في استماتة
لكننا لم نستمع

وفي ظل التحولات الخطابية المنبثقة من الصراع الباطني تارةً ومن الصراع الخارجي تارةً أخرى، يتجه النص/الشاعر إلى وصف الحالة والعلاقة مع النهر بأنها علاقة تصادمية وتؤدي إلى "السقوط،" وهو ما يعني إما أن الشاعر/قناعه كان في مأمن ومستقر وحدث خلل ما أدى لتعرضه والنهر لحالة الانهيار – وهو ما يعني أيضاًَ على سر العلاقة الحميمية بين الإنسان والطبيعة/النهر – وما يصيب الطبيعة أو الإنسان يصيب الآخر – والمبادرة هنا للشاعر الذي يتماهى مع الطبيعة في أحلك صورها وطقوسها:

نهرٌ أشاركه السقوط
أشلائنا امتزجت واللون غاب من الوجوه

وانعكاساً لحالة التخبط والتيه والوله ومزيد تشظي واغتراب حد الضياع، وحالة مترابطة بسلسلة متينة من التداعيات من التوهان وعدم اليقين في تحديد معركة المصير الشخصي والإنساني، يخبرنا الشاعر بذلك بوضوح ودون لبس أو مراوغة وغموض، ويقول:

ما عدت أعرفني ما عدت أعرفه
وتشابكت كل الخيوط

ثم البعد الدال على اليأس والقلق والحيرة والضياع والمتجدد من الحالة ذاتها وطقوس التماهي والتوحد مع الطبيعة وأشيائها وقواها، ودلالةً على جفاف الصبر ونفاذه، وجفاف الإيمان بالنفس والخالق – كمخلص أوحد لكل ابتلاءات الإنسان – وانتفاء قيمة التحدي لدى إنسان العصر الحديث، تصبح المشاركة العملية مع الطبيعة هنا في حالة "الظمأ" الذي يحرم الأرض والإنسان الماء الروحي والبلسم الشافي لصراعاته مع النفس والعالم الخارجي:

نهرٌ أشاركه الظمأ
الأرض عطشى تنكفئ
والأغنيات الخاويات على الضفاف تمددت
جسدٌ تغطيه الحجارة

وحينما يصر الشاعر على طرح سؤاله الموضوعي في:

ماذا سيجدي الرجم أو يجدي السكوت

ندرك إذاً استنتاجاً طبيعياً من لدن الشاعر، حين لا يبدو في الأفق فرصة في النجاة والخلاص، فعنده الصخب والسكون سيان لا فرق بينهما ما دامت الحالة لا تتغير ولا تتبدل سوى للأسوأ، وهي حالة تتسيدها النبرة الإنسانية المتجددة بالهم الكوني واليومي والحياتي. وكل ما يأتي به الشاعر من صور للرجم والسكوت في تقنية التشخيص أو الشخصنة والتجسيد لدال آخر على عمق ماساته وأزمته وورطته في الحياة، مثله مثل أي إنسان تتولد لديه عناصر المسؤولية عن الهم والقلق والحيرة، وتصبح على عاتقه مسؤولية موازية للتخلص من تلك الأزمات وآثارها القريبة والبعيدة.

ويكمل الشاعر بوحه الشاعري والمتشظي، والمبادرة تتحول الآن للنهر الذي يصبح نهراً "يشاركني الشرود" و "الأرق" ويصبح التشابه / التشبيه سيد الموقف الشعوري والتعبيري، حين يقول الشاعر:

غصنان ملتفان .. بعضٌ من وجوم
أوراقنا جفت
والوجه معتلٌ يذوب مع ارتحال الشمس ..في لون الغسق
نهرٌ يشاركني التشتت

وتعود المبادرة للشاعر وتعكس حالة التشظي والتوهان المطلق، فيقول:

نهرٌ أشاركه الغرق
كحالة قصوى للخلاص وتدل على يأس مدقع ومستدام ومتجذر ، ثم

أترى سيصمد بابنا في وجه دقات العواصف

وهو سؤال يوحي بالشك وعدم اليقين في انعدام المقدرة على الصبر والتحدي والجلد، وكأننا نقرأ أن الشاعر يستسلم أمام قوى الطبيعة كلها، فرادى أو جماعات. و "أم أننا عند المصب سنفترق،" لنستوعب الحالة ذاتها والمرة والمريرة، وفيها شِبهُ توافق بين النهر/الطبيعة والشاعر.

إذاً، تتجلى أبعاد عديدة ومتداخلة في النص فمنها البعد الرومانسي، والدلالي، والرمزي، والإشاري والمبطن، والطبيعي، والواقعي، ما يسمح بتداخل التأويلات والقراءات ضمن مجموعة قرائية استيعابية مبنية على فرضيات النقد الاستيعابي أو المتداخل التأويلات. ومل يلفت نظر المتلقين هو قدرة الشاعر على التكثيف التصويري والأدائي في عرض مشكلته التي أصبحت إنسانية، تنطق نيابةً عن أي إنسان يتعرض للمواقف ذاتها والتجربة ذاتها.


تحياتي ومودتي

د. عبد الله حسين كراز

أخي الحبيب / د. عبد الله كراز
سلام الله عليك
أشكرك غاية الشكر على :
- استجابتك الكريمة والمساهمة في الورشة النقدية بهذه القراءة المتميزة
- هذا المستوى الرائع من النقد ، الذي اتحفتنا به ، وهنيئا للشاعر حاتم أنه حظي بهذا الاهتمام .
- قدرتك على المزج بين التحليل البنائي للنص والتأويل لعبارات وأسطر النص .
تقبل محبتي
وتقديري
ومودتي
وأدام الله الحب بيننا .
أخوك
مصطفى

حاتم الكاتب
07-14-2008, 12:19 AM
شكرا للدكتور عبدالله كراز على رؤيته للنص و تحليله العميق تحياتى للجميع